الصفحة 6 من 28

الدكتور منذر قحف، إلاّ أن الكلام في كون هذا العمل من الوقف اللازم الذي لايمكن الرجوع فيه، فلاحظ.

4 ـ إن الإمام أبو زهرة الذي وازن بين أدلة من يقول باشتراط التأبيد وبين أدلة من يرون جواز التوقيت في الوقف وعقب بقوله بترجيح قول من يرى أن التأبيد ليس جزءً من مفهوم الوقف فيجوز الوقف مؤبدًا ومؤقتًا وهم القلة الذين فهموا مغزى ومرمى الشريعة فكان دليلها قويًّا خصوصًا مع ذهاب الإمام مالك إلى جواز التوقيت في الوقف.

أقول: إن الإمام مالك الذي رجحّ صحة كون الوقف مؤقتًا لايختلف عن قول الأكثر الذين قالوا: بان الوقف لايكون إلاّ مؤبدًا وأن التأبيد مأخوذ في مفهوم الوقف إلاّ في اطلاق لفظ الوقف على التحبيس، وهو قد أخذ بالمعنى اللغوي للوقف الذي هو تحبيس، أما إذا عرفنا أن اصطلاح الوقف يختلف عن اصطلاح التحيبس (كما تقدم ذلك) حيث يكون الوقف عبارة عن اخراج العين الموقوفة عن ملكه، والتحبيس هو عبارة عن اخراج المنفعة عن ملكه فقط دون العين لمدة محدودة، وهذا الاختلاف في الاصطلاح قد أخذ من أدلة كلّ من الوقف والحبس، فلا يكون قول الأكثر باطلا ولا معارضًا لما قاله الإمام مالك إلاّ في الاصطلاح الذي يكون الإمام مالك متسامحًا في اطلاق الوقف الاصطلاحي على التحبيس الاصطلاحي. فلاحظ.

وبهذا نفهم أن ما قاله الدكتور منذر قحف: «إنما نعذر فقهائنا الغابرين ممن كتبوا لنا هذا التراث الفقهي العظيم أن هذه المصالح والحاجات لم تنشأ في مجتمعاتهم (ويقصد التبرع بالمنفعة دون الملك لمدة معينة) فلم يتحدثوا عنها. ولكننا لانعذر كاتبًا معاصرًا يتسائل مستنكرًا «فهل يصح أن يقف إنسان مدرسة لتكون وقفًا على طلبة العلم الشريف لمدة شهر مثلا، ثم تعود بعد ذلك لواقفها؟ أو أن يقف شجرة بستانه على اليتامى والمساكين لمدة يوم واحد؟» ثم يعقّب: « ... اعتقد أن مثل هذا النوع من الوقوف هو ضرب من العبث يجب أن لايقول به قائل» لأن مثل هذه الأعمال من البرِّ معقولة في عالمنا المعاصر، بل معقولة جدًا أو يمارسها فعلا الكثير من الناس من مسلمين وغير مسلمين فهي تصح نعم! وليست هي من ا لعبث كما ظنّ الكاتب. ولايصح الاحتجاج بأنه «لابدّ من أن يكون هذا البرِّ والاحسان قائمًا ودائمًا ليستمر الانتفاع به ويحصل الثواب منه» لأن الثواب يحصل باذن الله بقليل البرِّ وكثيره وبما يدوم منه طويلا ربما يدوم منه زمنًا قصيرًا، فلكل من الأجر والثواب بقدر ما قدّم وكل فاعل خير له ثوابه (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ) [1] [2] .

أقول: إن ما ذكره الدكتور منذر قحف لايصح لأن المتكلم إذا قصد معنى الوقف الذي هو اخراج العين من ملكه مع قصده الانتفاع بالمنفعة فقط من دون اخراج العين عن ملكه فهو قد قصد امرين متنافيين وهو من العبث واقعًا، وإذا قصد من كلمة الوقف الانتفاع بالعين لمدة محددة دون اخراج العين عن ملكه (كما هو الظاهر من فهم الدكتور منذر قحف من كلام من نقل عنه الكلام) فهو تحبيس وقد ذكره فقهائنا القدماء ولحق به العمرى والرقبى والسكنى فيكون المتكلم قد قصد من لفظ الوقف معناه اللغوي الذي هو التحبيس دون معناه الاصطلاحي الذي يعني اخراج العين عن ملكه بحيث لايتمكن الواقف ولا غيره من التصرف به ببيع أو هبة ولاتكون ارثًا بعد موته.

(1) الزلزلة: 7.

(2) المصدر السابق: 151 ـ 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت