وحصول الثواب من الوقف ومن التحبيس لايجعل الوقف حبسًا ولا الحبس وقفًا بمعناهما الاصطلاحيين.
وقف النقود:
اختلف الفقهاء في وقف النقود فمنهم من اجازه ومنهم من منعه، ومدار الخلاف في امكان استعمالها من دون استهلاك العين، فمن الفقهاء من اجاز وقف النقود لاتخاذها زينة كما يجوز كاجيرها للزينة أيضًا أو تزيل عنه الذل أو يكون وجودها معه عند السفر إلى دولة أوربية أو غيرها يوجب له السماح بالدخول أو اعطاء الويزة.
ومن الفقهاء من منع من وقفها حيث لايكون المراد من النقود إلاّ الاستهلاك والصرف فلاينطبق معنى الوقف الذي هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة كما لايصح وقف الرزّ للأكل. هذ كله مما بحث فيه الفقهاء ولا حاجة للبحث فيه الآن: انما الكلام في وقف النقود للاقراض والمضاربة.
وقف النقود للاقراض أو المضاربة (وقف الماليّة) :
إن المراد من وقف النقود في الحال الحاضر هو أن تكون المالية هي الموقوفة مع تبدّل تجسيدها من عين إلى عين أخرى، فهل يجوز مثل هذا الوقف، مع أن فتاوى الفقهاء صرَّحت بأن الوقف إنما يصح في الاعيان المملوكة التي ينتفع بها مع بقاء عينها؟
وبعبارة أخرى: إنّ مشكلة حرمة تبديل العين الموقوفة تجعلنا نفكر في بديل لوقف العين بحيث يمكننا أن نوقف المالية، ونجعل المتولي على وقف المالية قادرًا على التبديل والبيع بما يراه صالحًا في أي وقت أراد، وهذا ما يجعل الوقف مواكبًا للمناشط العصرية التي تقوم بها السوق المالية، فيدخل المال الموقوف في المعاملات حسب ما يراه المتولي، أو يستفيد من مالية المال الموقوف المحتاجون لقضاء حاجاتهم من المال بشرط إرجاعها لتقرض ثانيًا.
وهذا الأمر جيد إن قام عليه دليل يصحح هذا الموقف فهل من دليل على ذلك؟
قد يقال: أولا: إننا نتمسك باطلاق روايات الصدقة الجارية [1] ، الوارد في روايات صحيحة متعددة بمعنى أن الجريان ليس مصداقه الوحيد هو انحباس العين وتوقيفها عن البيع (حيث كان هو المصداق الرائج في زمن صدور النصّ) بل هناك مصداق آخر للصدقة الجارية، وهو مالية الشيء التي يمكن تجسيدها ضمن اعيان مختلفة متعاقبة، وحينئذ يكون قوام الجريان بالتحبيس ولكن المحبوس قد يكون عينًا وقد يكون مالية.
وهذا البيان لوقف المالية لايعارضه ما ورد من تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (الثمرة) ، حيث إنّ وقف المالية أيضًا تحبيس لها، وقرضها أو المضاربة بها مع كون النفع للمحتاجين هو نوع تسبيل للمنفعة المرتجاة من المالية [2] .
(1) وسائل الشيعة 13: باب 1 من أبواب الوقوف والصدقات ح1 ـ 5 وح10.
(2) أقول: الذي يقف أمام هذا الوجه هو: أن المالية ليست شيئًا حقيقيًا حتى يشمله حبّس الاصل وسبل المنفعة، فان المالية شيء مجازي واعتباري فلا يشمله حبّس الاصل، لأنه ناظر إلى الأمور الحقيقية لا الاعتبارية.