الصفحة 8 من 28

وثانيًا: إن صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج [1] صرّحت بجواز شرط الواقف حقّ البيع والتبديل للموقوف عليه، وحينئذ يرجع واقع هذا الشرط إلى التصدّق بالمالية القابلة للتجسيد في الاعيان المختلفة.

ويرد على الدليل الأول: أننا نحتمل أنّ الصدقة الجارية الواردة في الروايات منحصر مصداقها في مرتكز المتشرعة في الوقف الذي لايباع ولايوهب ولايبدّل، وهذا الارتكاز يكون صالحًا للقرينيّة الموجبة لانصراف اطلاق عنوان الصدقة الجارية إلى وقف العين.

ويرد على الدليل الثاني: أنّ في الصحيحة جواز بيع الوقف لوفاء الدين وجواز بيع الوقف وتقسيم الثمن على آل بني المطلّب وآل أبي طالب والهاشمين، وهذا معناه إبطال الوقف لا أن الوقف يكون للمالية التي تبقى ثابتة ويكون النفع منها بالقرض والمضاربة، فهي اجنبية عن محل كلامنا.

يبقى أننا نتمكن أن نصل إلى نتيجة وقف المال لأجل القرض والمضاربة مع صرف الربح في جماعة الفقراء من المسلمين بالوصية التي تنفذ بعد الموت في خصوص الثلث إن لم يرضَ الورثة بالزائد عليه، فيوصي الانسان بصرف مقدار معيّن من أمواله في اقراض المحتاجين أو المضاربة به على أن يكون الربح لجماعة معينة، أما نفس الوقف بالنقود المالية فلم يتمّ عليه أي دليل [2] .

ولكن قال صاحب العروة الوثقى: بصحة وقف مالية العين، فهو وإن لم يكن من الوقف المصطلح إلاّ أنه عقد يشمله (أوفوا بالعقود) «والمؤمنون عند شروطهم» فقال: «إذا وقف مالية عين أبدًا، يمكن أن يقال: أنّه وإن لم يكن من الوقف المصطلح إلاّ أن مقتضى العمومات العامة صحته، ونمنع حصر المعاملات في المتداولات، بل الأقوى صحة كل معاملة عقلائية لم يمنع عنها الشارع، فكما تصح الوصية بابقاء مقدار من ماله أبدًا، وصرف منافعه في مصارف معيّنة مع الرخصة في تبديله بما هو أصلح، فكذا لا مانع في المنجّز بمثل الوقف على النحو المذكور وإن لم يكن من الوقف المصطلح» ثم قال: «فوقف مالية المال وإن لم يكن صحيحًا للاجماع على الظاهر، لكن لا مانع من وقف العين بلحاظ ماليتها» [3] .

فالنقود الورقية وكذا الذهبية والفضية يمكن للمالك أن يوقف ماليتها، وحينئذ يكون عقدًا صحيحًا إذا قبل ذلك الحاكم الشرعي، فيتمكن أن يقرضها ثم ترجع ويقرضها مرة أخرى، كما يمكن أن يجعلها مضاربة لينتفع من ربحها من وقفها المالك عليه.

ومما قاله السيد الحائري في فقه العقود بالنسبة إلى وقف المالية إذ قال: «يمكن التعدّي من الوقف الذي هو تحبيس لعين خاصة إلى تمليك الماليّة التي يمكن تبديل تجسّدها من عين إلى عين أخرى فرارًا من مشكلة حرمة تبديل العين الموقوفة، فيجوز للمتولي البيع والتبديل بما يراه صالحًا في أيّ وقت أراد، وذلك تمسّكًا باطلاق روايات الصدقة الجارية [4] ، بدعوى أن (الجريان) ليس مصداقه الوحيد عبارة عن

(1) وسائل الشيعة 13: باب 10 من الوقوف والصدقات ح4.

(2) راجع بحوث في الفقه المعاصر/للشيخ حسن الجواهري 4: 158 ـ 160.

(3) العروة الوثقى 2: 264.

(4) راجع الوسائل 13 باب (1) من أبواب الوقف والصدقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت