انحباس العين وتوقيفها عن البيع وهو المصداق الرائج في زمن صدور النصّ، بل له مصداق آخر أيضًا وهو أن يكون المحبوس على المشروع الخيري ماليّة الشيء التي يمكن تجسيدها ضمن أعيان مختلفة متعاقبة، لا فردًا معينًا كي يصبح وقفًا لايجوز تبديله، فقوام الجريان إنما هو بالتحبيس وليس بكون المحبوس فردًا معينًا من العين» [1] .
ثم إن «صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج الصريحة في جواز شرط الواقف حقّ البيع والتبديل، فيرجع واقع المطلب إلى التصدّق بالمالية، أو قل وقف الماليّة القابلة للتجسيد في الاعيان المختلفة» [2] .
وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ورد فيها « ... وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة، فبداله أن يبيعها فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن باع فإنه يقسّمها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثًا في سبيل الله ويجعل ثلثًا في بني هاشم وبني المطلب ويجعل ثلثًا في آل المطلب ... » قال السيد الحائري: «فإن استظهرنا من هذا الكلام تبديل العين الموقوفة بعين أخرى بأن يشتري بثمن الاولى الثانية، فهذا يكون ما أسميناه بوقف الماليّة أو تمليكها لما وقف عليه، وإن استظهرنا من هذا الكلام بيع الوقف وصرف ثمنه على الموقوف عليهم، قلنا: إذن فصحة شرط جواز البيع للتبديل أولى من شرط جواز البيع للصرف والاستهلاك، فإذا جاز هذا جاز ذاك، وذلك راجع إلى وقف وتمليك المالية القابلة للتبدل في تجسيدها من عين إلى عين» [3] .
ولكن يرد على وقف المالية بالاصطلاح الفقهي المعروف ما تقدم من أن حبّس الاصل ناظر إلى الاصل الحقيقي لا الاعتباري والمالية اصل اعتباري لا حقيقي، والاصل الحقيقي هو النقد العيني.
ومع هذا نكون مؤيدين لما قرّره مجمع الفقه الإسلامي في قراره 140/ 6/15 لاجازة وقف النقود بشأن الاستثمار في الوقف وفي غلاته وريعه، باعتبار ان وقف المالية عقد جديد يشمله أوفوا بالعقود.
هل يمكن أن نوقف ايرادًا نقديًا يحصل في المستقبل دون وقف أصله؟
ذكر البعض [4] جواز ذلك، وقال بوجود صور متعددة لهذا الوقف تدور حول محورين:
المحور الأول: وقف ايراد عين معمرة لفترة زمنية محددة، ومثاله أن يحبّس شخص الايراد الاجمالي أو الصافي الذي ينشأ عن استثمار عقار للايام العشرة الأولى من ذي الحجة من كل عام، أو أن يقف محسن (يملك موقفًا للسيارات) ايراد موقفه مما يدفعه أصحاب السيارات التي تقف فيه كل يوم جمعة، أو أن يقف صاحب حديقة حيوانات ايرادها لمدة شهر كل ثلاثة أعوام مثلا.
المحور الثاني: وقف حصة محسوبة بنسبة مسؤولة من الايرادات النقدية الاجمالية أو الصافية لهيئة أو مؤسسة استثمارية قائمة، إضافة إلى الزكاة المفروضة التي لابدّ أن توزّع في مصارفها الشرعية.
(1) فقه العقود/للسيد الحائري 1: 94 و95.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر نفسه: 95.
(4) منذر قحف/الوقف الإسلامي (تطوره، ادارته، تنميته) : 196.