فى الحالة الثانية لايختلف في جوهره عن الحالة الأولى (السابقة) ، فهو بيع عِينة مذموم، سواء كان الطرف الثالث شريكًا للبائع الأول في تجارته أووكيلًا عنه في البيع والشراء، أو قام المتورق بالبيع لهذا الطرف الثالث بواسطة وكيل له.
وقد يدعى البعض أن التحايل الذى تضمن نية عدم الوقوع في الربا أفضل من مباشرة الربا صراحة. وربما كان هذا صحيحًا في حالات فردية اضطرارية، ولانقول إلا"ربما"لأن الله عز وجل وحده هو العليم بالنوايا (قل إن تخفوا مافى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله: آل عمران؛29) . أما إذا ذاعت ممارسات التورق وانتشرت فإن مساوئ هذا التحايل على الربا في التورق ستكون أكبر من مساوئ التعامل بالربا مباشرة. ذلك لأن الناس الذين يتحايلون يظنون أنهم بعيدون عن الحرام فيتمادون في ممارسات ربوية مدمرة فتتفاقم البلوى بينما أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية المدمرة للربا واقعة في الحالتين لامحالة، جاهر الناس بالربا أو أخفوه وراء ستار البيع (قال عز من قائل"يمحق الله الربا"من الآية 276 البقرة) . وأثم بيع التورق هذا لايختلف عن أثم الربا في رأينا، فهو أكل مال بالباطل. ولقد عالج الفقهاء هذه الحالة للتورق تحت مسمى بيع العينة. والأثم في هذه المعاملة يقع مؤكدًا على البائع الأول حيث يعلم أن البيعتين الأولى والثانية تحققتا لصالحه وأنه ترتب عليهما معًا دين في ذمة المتورق يفوق ماتسلمه من نقود حالًا. أما بالنسبة للمتورق الذى تحايل للحصول على مقدار من النقود مقابل دين في ذمته يفوق هذا المقدار فأثم الربا واقع في حقه إذا علم بأن الطرف الثالث الذى اشترى منه السلعة بثمن حاضر إنما كان وكيلًا أو شريكًا لمن اشترى منه هو السلعة أولًا بثمن آجل. أما إن لم يكن يعلم بحقيقة الأمر فهو لم يقع في الربا عمدًا فذنبه أهون أوهو غير مذنب أو والله أعلم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْهَمٌ رِبًا يَاكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً؛ مسند أحمد-(ج 44/ ص 439) ورجال أحمد رجال الصحيح وأخرجه الطبرانى في الكبير؛ المنذرى، الترغيب والترهيب - كتاب البيوع، ج 4/ 2711).
وجاء في (الشرح الكبير لابن قدامة - ج 4 / ص 46 - 45) أنه"روي عن أحمد أنه قال فإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة فقال أحمد في رواية حرب لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لان ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فهي كمسألة العينة، فان اشتراها بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها أو بمثله نسيئة جاز لما ذكرنا في مسألة العينة، وان اشتراها بنقد آخر بأكثر من ثمنها فهو كمسألة العينة، على ما ذكرنا من الخلاف، قال شيخنا ويحتمل أن يكون له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه إذ لم يكن ذلك عن مواطأة ولا حيلة بل وقع اتفاقا من غير قصد لان الاصل حل البيع وانما حرم في مسألة العينة للاثر الوارد فيه وليس هذا في معناه لان التوسل بذلك أكثر فلا يلحق به ما دونه". قال"وفي كل موضع قلنا لا يجوز له ان يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لانه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لانه غير البائع اشترى بنسيئة أشبه الاجنبي"
(2 - الوضع الثانى) أن يبيع المتورق في السوق لطرف ثالث لاعلاقة له (من مشاركة أو وكالة) اطلاقًا بالبائع الأول الذى باعه السلعة نسيئة. فإذا تم البيع في السوق بصفة مباشرة، أو بوكالة من قبل المتورق، زالت شبهة بيع العينة المذموم في حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فيحصل المتورق على النقود التى يريدها حالًا مقابل السلعة التى باعها للطرف الثالث. وهذه حالة لاتتضمن أى تصرف مخل بالبيع الذى أحله الله عز وجل طالما استوفيت شروط البيع الصحيح في البيعة الأولى التى تمت بالنسيئة والثانية التى تمت في السوق بالسعر الجارى. والتورق تم هنا بطريق الاستدانة حيث المتورق يظل مدينًا للبائع الأول بالثمن الآجل للسلعة الى أن يسدده. إلا أن هناك اسباب وجيهة لكراهية هذه المعاملة من