الصفحة 25 من 30

أ- طول زمان هذه التعاقد لان هذا عقد غالبا يستمر لمدة عشرين إلى ثلاثين سنة. وهذا معناه إعطاء الفرصة الكافية لتواجد طويل المدة بل الدائمي للكفار في داخل البلد الإسلامي مما يؤدي إلى تدخلهم في شؤون المسلمين ولا اقل يوجب ذلك إشاعة الفساد الأخلاقي في الأماكن التي يعيشون فيها مع المسلمين.

ب- كون موضوع هذا التعاقد منح امتياز بناء البني التحتية الأمر الذي يؤدي إلى تدخلهم و فرض هيمنتهم على الأمور الاقتصادية بل قد يسبب ذلك إلى تدخلهم في الشؤون السياسية و الثقافية في البلد لأجل إبقاء و استمرار سلطتهم على سوق ذلك البلد.

هذا أمر يصدقه التاريخ المعاصر بل عاشه أكثر البلاد الإسلامية و غير الإسلامية في القرن الماضي حتى اليوم حيث نري ان أكثر التدخلات في البلاد كان عن طريق الكمبانيات واخذ الامتيازات في الشؤون الاقتصادية التي مهدت الطريق للأنواع التدخلات السياسية والثقافية حتى العسكرية لغير المسلمين في بلاد الإسلام بحجة الدفاع عن منافعهم.

ومما يؤيد هذا الفهم فتوى العالم المجاهد السيد محمد حسن الشيرازي المعروف بالشيرازي الكبير (قدس سره) 1230 هـ - 1312 هـ ضد منح امتياز التبغ للشركة إنجليزية في إيران وتحريم استعماله في إيران [1] .

(1) في 1890 منح ناصر الدين شاه القاجار امتيازا لاحتكار التبغ وبيعه في إيران لمدة خمسين عامًا لشركة إنجليزية تدعى ريجي Regi Tobacco لصاحبها الميجر تالبوت. وكانت الاتفاقية تضمنت بنودًا وقرارات ضارة بالمزارعين والتجار وعامة الناس منها:

1 ـ ... يجب على حكام الأقاليم في أنحاء إيران إجبار المزارعين على إعطاء تعهدات للشركة البريطانية بأن كل ما يزرعونه من التبغ لا يجوز لهم بيعه وشراؤه إلا بإذن صاحب الامتياز. وليس لأحد إصدار الإجازة بذلك، إلا من صاحب الامتياز. وليس للبائع والمشتري أن يتعامل بغير دفتر الإجازة، ومن فعل ذلك فعليه عقوبة.

2 ـ ... عدم جواز حمل ونقل التبغ مطلقًا إلا بإجازة صاحب الامتياز.

3 ـ ... يجب على صاحب الامتياز شراء جميع التبغ الموجود في إيران، وليس للبائع الامتناع عن ذلك.

4 ـ ... كل من باع أو اشترى خفية، أو وجد عنده شيء من التبغ دون إجازة، فيجب على المسؤولين في الحكومة الإيرانية معاقبته بشدة.

5 ـ ... توافق الدولة على عدم فرض رسوم ومكوس إضافية على التبغ.

وعلى أثر هذا الامتياز وصل إلى إيران أكثر من مائتي ألف أجنبي، قاموا باستغلال الناس واستضعافهم، وإشاعة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية.

وقد أرسل السيّد الشيرازي برقية من سامرّاء المقدّسة إلى الشاه القاجاري حول هذا الموضوع، نقتطف منها ما يلي: (إنَّ تدخّل الأجانب في الأُمور الداخلية للبلاد، واختلاطهم بالمسلمين، وإشاعة الفساد تحت ستار امتياز التنباكو، يعتبر منافيًا لصريح القرآن الكريم، والقوانين الإلهية، وبالتالي يؤدّي إلى ضعف الدولة، وعدم تمكُّنها من المحافظة على سيادتها واستقلالها، وهذا ممّا يزيد قلق المواطنين وقلقنا على مستقبل المسلمين) .

لكن اعتذر الشاه عن إلغاء الاتفاقية محتجًا بعدم قدرته، وما يترتب على ذلك من مخاطر. وحذره الشيرازي برسالة ثانية، لكن الشاه ظل على موقفه».

بعد أن يئس الإمام الشيرازي من تغيير موقف الشاه تجاه الامتياز، وتدهور الأوضاع الاقتصادية للمزارعين والتجار الإيرانيين، أصدر فتواه الشهيرة: (عام 1891) :

(بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان ومن استعمله كان كمن حارب إمام العصر صلوات الله وسلامه عليه) محمد تقي الحائري الشيرازي)

أحدثت الفتوى صدىً هائلًا في أوساط الشعب الإيراني، فاستجابت لها كل الطبقات الإجتماعية، فأصبح الامتناع عن التدخين عملًا وطنيًا وممارسة ثورية وطاعة دينية واستجابة لأمر قائدها. فأقلع الجميع عن التدخين بشكل كامل، وأغلقت محلات بيع التبغ، بل سرى الالتزام بالفتوى حتى داخل قصر الشاه، فاضطر في النهاية إلى إلغاء الاتفاقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت