الصفحة 21 من 25

ما لم يتخذ إجراء عاجل لاستئصالها, وكذلك جراحات الحوادث المختلفة: كالجراحات التي يقتضيها إسعاف حياة المصاب في حادث حريق أو هدم أو غرق أو اصطدام أو سقوط, أو نحو ذلك, والتي يكون المريض أو المصاب فيها في حالة لا يمكن معها الحصول علي إذنه, فيكون المريض عاجزًا عن إعطاء الإذن, ولا يمكن انتظار أوليائه, فلا مناص حينئذ من اتخاذ ما يلزم لعلاجه وإنقاذ حياته دون إذن, لكن ينبغي ألا يتم ذلك إلا بعد أن تقرر لجنة من الأطباء حاجته إلى هذا العلاج أو العملية دون إبطاء, زيادة في التثبت لضرورة المعالجة, ولقطع التهمة عن الأطباء في أنهم يحرصون على الجراحة طلبًا لمصلحتهم الذاتية, وإنما شرع العلاج في هذه الحالة دون الحصول علي إذن المريض أو وليه, لأن في عدم علاج المريض انتظارا للحصول علي الإذن إضرار بالمريض, والضرر يزال كما تقرر قواعد الفقه الكلية [1] , ولأن قيام الطبيب بالمعالجة في هذه الحالة الطارئة واجب عليه, مادام قادرًا على علاج المصاب واستنقاذه, بحيث إذا امتنع عن العلاج كان آثما, فإن استنقاذ النفس مطلب شرعي, فقد اتفق الفقهاء علي أنه يجب على المرء شرعا إنقاذ الآدمي المعصوم الدم, سواء كانت عصمته بالإسلام أو بعقد الذمة أو الأمان أو الهدنة, فإذا أشرف أحدهم على الهلاك بحريق أو غرق أو هدم أو نحوها وجب إنقاذه بكل ما يستطيع المسلم به إنقاذه, بحسبان هذا الإنقاذ واجبا علي كل من استطاعه ممن أدرك مشرفا علي الهلاك, رجلا كان أو امرأة أيا كان معتقد ودين وقومية من أشرف علي الهلاك, قال القرطبي:"لا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف, بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة" [2] , وقال كذلك:"إن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم وتوجه الفرض في ذلك, بأن لا يكون هناك غيره, قضى عليه بترميق تلك المهجة الآدمية" [3] , ومثل المسلم في وجوب إنقاذه كل معصوم الدم ممن سبق, ومن المقرر شرعا أن ما وجب على المرء شرعا يثاب إن فعله ويعاقب إن تركه, ومن ثم فمن وجب عليه حماية شخص أو إنقاذه أو القيام على أمره, فلم يقم بما وجب عليه حتى تسبب فعله السلبي في إهلاكه, فهو قاتل له عن عمد عند جمهور الفقهاء, ولذا يعد قاتلا عمدا من وجب عليه مراقبة مريض والاهتمام بحالته وإعطائه الدواء في أوقات معينة فلم يفعل حتى مات المريض, ومن وجد معصوما أشرف على الهلاك بسبب نزف أو حريق أو هدم أو غرق أو اعتداء أحد عليه أو اصطدام سيارة به أو نحو ذلك, وهو قادر على إنقاذه فلم ينقذه, إذا لم يكن هناك من يمكنه القيام بذلك غير هؤلاء, وتوافرت رابطة السببية بين الامتناع في هذه الجرائم والنتيجة التي أسفر عنها, فإن المتقاعس عن أداء ما وجب عليه في هذه الأحوال يكون ضامنا ما ترتب علي امتناعه, والسبب الإيجابي أو السلبي المؤدى إلى الهلاك لا يؤثر بذاته بل بواسطة, كالشهادة الزور المؤدية إلى قتل المشهود عليه, والقتل بالسم, وبالترك, وبمنع الغذاء, والإلقاء في مكان مهلك, ومن ألقي شخصا في ماء كثير لا يمكنه التخلص منه, ولا يحسن السباحة, فإنه قتل عمد عدوان موجب للقصاص عند جمهور الفقهاء ومنهم جمهور الحنفية [4] .

3 -حالات العلاج اليسيرة التي تجري للصغار, والتي جري العرف علي إجرائها دون حاجة إلي أخذ إذن

(1) الأشباه والنظائر للسيوطي /83.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 2/ 226.

(3) المصدر السابق 2/ 225.

(4) أ. د. عبد الفتاح إدريس: الجناية علي النفس /113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت