الصفحة 23 من 25

تقرر لجنة من الأطباء حاجته إلى هذا العلاج أو العملية دون إبطاء, زيادة في التثبت لضرورة المعالجة, ولقطع التهمة عمن أجراها له, وإنما شرع العلاج هنا دون الحصول علي إذن, لما يفضي إليه ترك إسعاف المريض أو علاجه من تعريضه للهلاك, وإلحاق الضرر به, فضلا عن تفويت واجب أوجبه الشارع, وهو رد مهجة المسلم ومن كان مثله في عصمة الدم.

فإن كان المريض في غير حالة الخطر, وكانت حالته تسمح بالتأخير, فهذا لا تخلو حاله من أمرين: الأول: أن يكون في مكان به حاكم يمكنه أن يقوم بالولاية عليه, أو أن يقيم نائبًا عنه يتولى أمر هذا المريض, وفي هذه الحالة لا بد من الرفع إلى الحاكم ليأذن بالإجراء الطبي, باعتباره ولي من لا ولي له, لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"السلطان ولي من لا ولي له" [1] , ولذا فإن من يصدر الإذن منه في هذه الحالة هو الحاكم أو من ينوب عنه، وإن كان بمكان ليس به حاكم شرعي, فهنا على من علم حاله من المسلمين القيام على هذا المريض بما يجب نحوه [2] , لأن هذا من قبيل التعاون على البر والتقوى , الذي جاء الشرع بالأمر به في قول الله تعالي:"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى" [3] , ولأنه تخليص آدمي له حرمة فكان فرضًا, كبذل الطعام للمضطر إليه.

المقصد الثاني

غياب من له حق الإذن

إذا لم يكن المريض أو المصاب أهلا لصدور الإذن الطبي منه, إلا أن وليه قد غاب عنه, فيفرق في هذه الحالة بين أمرين, الأول: إذا لم يكن المريض في حالة الخطر, وكانت حاله تسمح حالته بتأخير إسعافه أو علاجه إلي وقت قدوم وليه, فإنه ينتظر بذلك حتى يقدم ويأذن في الإجراء الطبي علي المولي عليه, لأنه يمكن تحقيق الواجب بدون ضرر, فلزم المصير إليه, ولأنّه تصرف في حق الغير لا تقتضيه الضرورة, فلا يجوز بغير إذنه, الثاني: إذا كان المريض أو المصاب بحالة الخطر, بحيث لا يمكن التوقف عن إجراء الإسعاف أو العلاج له, حتى يحصل علي إذن وليه, كأن خشي عليه الهلاك أو تلف العضو أو فوات منفعته إن لم يتم إسعافه أو علاجه, كمن وقع تحت هدم أو أنقذ من نار اشتعلت ببدنه أو أصيب بالتهاب الزائدة الدودية أو النزف, أو نحو ذلك, ففي هذه الحالة يجوز شرعا إجراء الإسعاف اللازم أو الجراحة أو العلاج المناسبين لمن كان في هذه الحالة, وإن لم يصدر إذن طبي من أحد, ولا يضمن من يمارس ذلك ما ترتب علي فعله, إن راعي قواعد المهنة, ولم يقع في خطأ جسيم لا يقع ممن كان مثله وهو يمارس مثل هذا الإجراء الطبي, وذلك اكتفاء بإذن الشارع في هذا الفعل, حيث أوجب رد مهجة المسلم, وشرع من الأحكام ما يتحقق به حفظ النفس التي هي أحد المقاصد الضرورية في التشريع, وجعل إحياء نفس كإحياء أنفس الناس جميعا, قال تعالي:"من أجل ذلك كتبنا علي بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" [4] , ولاشك أن إسعاف من تقتضي حالته ذلك وإجراء العلاج والمداواة له دون انتظار إذن في ذلك, إن كان في حالة الخطر, يعد حفظا لحياته وردا لمهجته وصحته الذاهبة, وذلك واجب علي من يباشره.

(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه, والحاكم في المستدرك وصحح إسناده, وأخرجه الترمذي في سننه, وقال: هذا حديث حسن. (صحيح ابن حبان 9/ 386, المستدرك 2/ 183, سنن الترمذي 3/ 407) .

(2) المبدع شرح المقنع 4/ 336.

(3) من الآية 2 من سورة المائدة.

(4) من الآية 32 من سورة المائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت