فهرس الكتاب
يضاف إلي هذا أن في تأخير إسعاف أو علاج من هذا حاله إلي أن يحصل علي إذن بذلك, فيه تعريض له للهلاك, أو إتلاف عضو من أعضائه أو ذهاب منفعة هذا العضو, وذلك منهي عنه شرعا, فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا ضرر ولا ضرار", وهو نفي بمعنى النهي, وفيه عموم في النهي عن كل ما ينشأ عنه الضرر, ولأن الحفاظ علي نفس الآدمي المعصوم إحدى الضروريات الخمس في الشريعة, ولا يتأتى الحفاظ علي نفس المريض أو المصاب إلا بإجراء ما يسعفه ويعالجه, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, كما تقرر في القواعد الأصولية [1] , فيكون قيام الطبيب بكل إجراء طبي من شأنه الحفاظ علي نفس معصوم الدم أو ما دونها واجب وإن لم يصدر له الإذن به, وحتى علي القول بأن ممارسة العمل الطبي علي مريض أو مصاب بدون إذن من صاحب الحق فيه, غير مشروع, إلا أن الخوف علي المريض أو المصاب من الهلاك أو الضرر, تجعل إسعافه أو علاجه حال ضرورة ملجئة إلي فعل غير المشروع, وقد أباح الشارع المحرم عند الاضطرار إليه, قال تعالي:"وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" [2] , حيث أسقط الله سبحانه وتعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه، فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه، فيكون عند الضرورة إليه حلال, لأن الاستثناء من الحظر إباحة.
المقصد الثالث
امتناع من له حق الإذن عنه
إن التداوي من المرض كما سبق مستحب وفقا للراجح من آراء الفقهاء, ومن ثم فإن الممتنع عن الإذن في إجراء العمليات الطبية, سواء كانت إسعافية أو جراحية أو علاجية أو نحوها, إما أن يكون هو المريض الذي تأهل لصدور الإذن منه في ذلك, أو يكون وليه إذا انتفت أهلية المريض لصدور الإذن منه, أو كان أهلا له إلا أنه بحالة لا يمكن معها الحصول علي إذن منه, كأن كان في غيبوبة أو مغمي عليه أو مصابا في حادث, أو لا تمكنه ثقافته المعرفية أو خبرته أو ظروفه النفسية أن يوازن بين المصالح والمفاسد من إجراء العمل الطبي.
فإن امتنع المريض عن الإذن في علاج نفسه أو إسعافه أو مداواته, وكان امتناعه عنه مؤديا إلي ترك مداواته, فإنه يكون آثما باعتباره ساعيا في إهلاك نفسه أو إلحاق الضرر به, إن كان من شأن ما أصابه ذلك, وإذا كان من شأن السفيه المبذر لماله أن يمنع من التصرف في ماله, ويفرض الحجر عليه في التصرفات المالية, والمال أدني شأنا من نفس الإنسان وصحته, فإن امتناع المريض عن الإذن في العمل الطبي الذي يفتقر إليه, أشد ضررا من تبذيره ماله الذي اقتضي عدم الاعتداد بتصرفاته المالية, فيقتضي التحول بهذا الإذن إلي من له ولاية عليه, فإن أذن وإلا رفع أمره إلي ولي الأمر, الذي يكون له الإذن في إجراء العمل الطبي الذي يرد علي هذا المريض صحته الذاهبة, أو يحفظ عليه مهجته, أو يبقي عليه حياته, باعتبار أن ما يأذن فيه يحقق مقصود الشارع من العمل الطبي, ولأن ولاية ولي المريض أو المصاب نظرية, تراعي مصلحة المولي عليه, وامتناع الولي عن الإذن في إجراء العمل الطبي لا مصلحة فيه للمريض المولي عليه, بل فيه ضرر به, خاصة إذا كان العمل الطبي المطلوب الإذن فيه لإنقاذ المريض من خطر محدق به, لا يحتمل الإبطاء: كالتهاب الزائدة الدودية, أو النزف الشديد, أو احتاج المريض إلي الغسيل الكلوي, أو إزالة آثار السموم أو المواد الكيميائية من المعدة, أو نحو ذلك, أو كان الحبل السري قد التف حول رقبة الجنين, ولم يؤذن للطبيب في إجراء عملية قبصرية, أو نحو ذلك من أعمال طبية عاجلة, فإنها تجري دون
(1) السبكي: الإبهاج 1/ 131, البعلي: القواعد والفوائد الأصولية 1/ 101.
(2) من الآية 119 من سورة الأنعام.