إن ما ذكرناه في الفقرات السابقة كان لبيان الأوهام والشبه التي تعلق بها أرباب الفكر الإلحادي ، من أن الدين يتنافى مع العلم ، فقد بينا بما لا يدع مجالا للشك أنه لا تعارض بين الدين والعلم ، وأن ما زعموه من هذا التعارض إنما هو من قبيل المغالطات التي سلكها المستغلون وأصحاب الأغراض وهي أوهى من بيت العنكبوت ، ورأينا كيف أن العلم كان من اهمم العوامل الباعثة على الإيمان . . وأن الدين والعلم صنوان لا يفترقان على أساسهما قامت حضارة الإسلام العظيمة . . ونريد أن نبين في هذه الفقرة أنه كما كان العلم من أهم الحوافز الدافعة إلى الإيمان ، نريد أن نبين أن الدين كان ولا يزال من أعظم دعامات العلم ، بل أن الفجر الصادق للعلم لم يبزغ إلا في ظلال الدين .
إن نظرة سريعة خاطفة إلى كتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ن وأقوال فقهاء المسلمين لكفيلة بأن تبين لنا هذا المعنى الذي أشرنا إليه ، على انه عندنا نحن المسلمين أوضح من الشمس في رابعة النهار ، إلا أننا نسوق هذا ونذكره ليعلمه من فاته الوقوف على حقائق الدين . .
فها هو القرآن الكريم يجعل شهادة العلماء على وحدانية الله في المرتبة الثالثة بعد شهادة الله وشهادة ملائكته ، فيقول:] شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ {آل عمران/18} ورفع مكانة العلماء على غيرهم من المؤمنين درجات فقال:] يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ {المجادلة/11}
ونفى الاستواء بينهم وبين غيرهم مم لم يتصفوا بالعلم فقال: ] قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ {الزمر/9} .