فهرس الكتاب
ولذا نرى الأم عندما يحين وقت بيضها تعمد إلى قطعة من الخشب ، فتحفر فيها سردابا طويلا ، فإذا أتمته على ما ينبغي أخذت في جلب ذخيرة تكفي صغارها سنة ، وتلك الذخيرة هي طلع الأزهار - وبعض الأدران السكرية ، فتحشوها في قاع السرداب ، ثم تضع بيضه ، ثم تأتي بنشارة الخشب ، وتكون منها عجينة ، تجعلها سقفا على تلك البيضة ، ثم تأتي بذخيرة جديدة تضعها فوق ذلك السقف ، ثم تضع بيضة أخرى ، وهكذا ، فتبني بيتا مكونا من عدة طوابق ، ثم تترك الكل وتموت (1) .
وهناك بعض الأنواع من العناكب المائية تعمل ما يحار فيه العقل الإنساني رغم ما أوتيه من طاقة ، إن هذا النوع من العنكبوت إذا أراد أن يلد صنع لنفسه عشا على شكل بالون من خيوط بيت العنكبوت ، ومن ثم تعمد هذه الأنثى إلى تعليق هذا البيت بشيء ما تحت الماء ، إلا انه لا يكون منفوخا بعد ، لأنه لو كان منفوخا لما استطاعت إنزاله إلى الماء ، ولذلك تبدأ بعد إنزاله إلى الماء وربطه - تعمل على نفخه بطريقة عجيبة ، وذلك بأنها تخرج إلى سطح الماء ، وتمسك وببراعة فائقة فقاعة هوائية في شعر تحت جسمها ن وتحملها إلى الماء ، ثم تطلقها تحت العش ، ثم تتكرر هذه العملية حتى ينتفخ العش ، وعندئذ تلد صغارها ، وتربيها ، وهي آمنة عليها من هبوب الرياح إن هذا النوع من العنكبوت يتقن عدة فنون من النسيج القابل للتماسك وسط الماء ، والدقة الهندسية والتركيب ، والملاحة الجوية (2) .
إن الإنسان ليعجب كل العجب عندما يرى هذه المشاهدات الناطقة أن ما يجري لا يمكن أن يكون عن طريق الصدفة ، وإنما هو عن طريق الإلهام الذي تتجلى به القدرة الإلهية في أدق مظاهرها
وإلا ، فمن الذي علم هذه الحيوانات هذه الطرق المتباينة من أجل تربية أولادها ، وكل منها يعمل في نطاق ما يصلح الصغار لا الكبار ، وفي نطاق ما يضمن لهم الدوام والاستمرار ، رغم أنه قد لا يكون ممن أدرك والديه أو أحدهما ؟