فهرس الكتاب
فقد أدرك أن عصر هذا الساقي للخمر لا يكون إلا في القصر الملكي ، وخبرته في تصنيعها تجعله مقتدرًا على استيعاب الأسلوب الراقي في تقديمها لضيوف القصر الملكي .
ويعتبر العصر هنا والعصير في تأويل رؤيا الملك القادمة . أصل من أصول هذا العلم يدل على فرج وخير قادم للرائي إن كان مفردًا ، وللجماعة إن كان عامًا . بعد شدة وضيق .
وأما الرؤيا الرابعة التي عرضها القرآن الكريم وهي الثانية التي أوّلها يوسف عليه السلام في السجن إنها رؤيا الخباز الذي قال:
{ إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه } [ يوسف:36] .
وكان تأويله لها { وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } [ يوسف:41] .
وتنطبق على هذه الرؤيا الشروط الأربعة التي يقتضيها صدقها ، فهي قصيرة وألفاظها قليلة ، وقد وعاها ذهن الرائي ، وأخيرًا حملت هدفًا كان إنذارًا بسوء مصيره .
ومما لا شك فيه أن يوسف عليه السلام قد استمع إلى قصة هذا الخباز باعتبارهما سجينين ، لكنه ربما كان كاذبًا في رواية سبب سجنه . محاولًا أن يبرأ نفسه مما هو منسوب إليه .
إذ أن من أهداف الرؤيا الصادقة أن تنفي باطلًا أو تثبت حقيقة فجاءت هذه الرؤيا لتحمل بعدًا اجتماعيًا يقرر فيما بعد مصير هذا الخباز .
ففي عصرهم كان الخبز يباع معروضًا على طبق من قش ، يحمله الأجير على رأسه ، متنقلًا فيه من حي إلى حي . فلما رأى أن الطير تأكل من هذا الخبز فقد استدل منه على أن حامله مفقود ، إذ أنه لو كان حيًا لما اقتربت الطير منه .
ومما هو مألوف أن ترد الطيور غير اللاحمة البيادر تلتقط منها الحب الذي تركه الفلاحون بعد جمعه . لقد أثبتت هذه الرؤيا ليوسف عليه السلام ان هذا الخباز ارتكب الجريمة التي يستحق عليها القتل .
وأما أنه قال ( فيصلب ) فقد كانت عقوبة الإعدام في عصرهم هو الصلب ، والمصلوب في العراء يكون عرضة لوقوف الطير عليه ناهشة من رأسه .