فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 298

وهذا مصداق قوله تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور } [ النور:40] .

ولابد لكل من أذن الله له بالخوض في علم كعلم التأويل من أن يكون قد رأى هذا النور الإلهي الذي منه يستمد هذا الإلهام في تأويله . وهنا نتوقف عند تحليل الرؤيتين اللتين عُرضتا على يوسف وهو في السجن . ويكون ترتيبهما الرؤيا الثالثة والرابعة في القرآن الكريم:

الرؤيا الأولى: ساقي الملك . قال: { إني أراني أعصر خمرًا } [ يوسف:36] .

إن هذه الرؤيا هي خير مثال للرؤيا الصادقة لأنها تحوي الشروط الأربعة التي حددتها في فصل سابق لها .

وإنني إذ أقوم بتحليلها فإنني أفعل ذلك ، وكأنها تُعرض علي اليوم ، فماذا عساي أن أقول فيها ؟ إن مصر لم تكن في يوم من الأيام منتجة للعنب ، ولذلك فإنهم مضطرون لاستيراد الخمر مصنعًا من بلاد الشام . فجودة الخمر مرهونة بجودة العنب الذي يصلح للتخمير .

هذه الخمر المصنعة ربما ترضي أذواق العامة من الناس ، أما القصور الملكية التي تقدمه شرابًا لضيوفها ، فإنها تحتاج إلى خمر مصنعة من أجود أصناف العنب ، وتحضرها أيد خبيرة ، لها باع طويل في تصنيعه بيديها بما يرضي مذاق الطبقة الراقية الخبيرة بأنواعها ، ومدة تخزينها . وهذا كان يفرض عليهم استيراد العنب من بلاد الشام ، متحملين بذلك غلاء ثمنه ، وتكاليف نقله ، وتوفير الشروط التي تمنعه من التلف ، ليصل سالمًا مُهيئًا للتخمير .

هذه الشروط تجعله بعد تصنيعه خمرًا غالية الثمن لا يستطيعها عامة الناس ، وبحاجة كما قلت لأيد خبيرة ماهرة تجعل منه خمرًا ذا مذاق يرضي الطبقة الحاكمة ، وضيوفها الذين يردون عليها .

ومما لا شك فيه أن هذا الساقي قد تحدث مع يوسف عليه السلام في سجنه واصفًا له خبرته في تصنيع الخمر . هذا البعد الاجتماعي والمهني لم يغب عن ذهن يوسف عندما عُرضت عليه رؤيا هذا الساقي . ولهذا أوّلها له فقال: { أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا } [ يوسف:41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت