فهرس الكتاب
في هذا الموقف العصيب كان هناك البرهان الإلهي مادًّا حبل النجاة له . لقد كان نورًا إلهيًا حقيقيًا رآه بعينيه قاطعًا الشك باليقين المطلق . إنه الله الذي أكرمه بهذا البرهان فهو الذي يسمع ويرى .
لقد كان هذا المشهد النوراني لمحة كافية له لتنقله من العالم المادي المحيط به ، إلى العالم الروحاني المطلق .
ولكن ألم يكن إبراهيم عليه السلام وهو صاحب الإيمان المطلق بحاجة إلى برهان كهذا ؟ ألم يطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ؟
ثم ألم يكن لوط عليه السلام بحاجة إلى برهان إلهي ينقذه وضيوفه مما أراد قومه أن يفعلوه بهم ؟ ألم يقل في هذا الموقف العصيب { لو أنّ لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد } [ هود: 80] ؟
في اللحظة الحاسمة الفاصلة يأتي البرهان الإلهي فيكون تكريمًا عظيمًا من الله سبحانه لعبده الصابر المُعاني الذي لا يجد عونًا من أحد إلا عون الله له . وهكذا يكون هذا البرهان تكريمًا من الله لعبد يستحق هذا التكريم .
إن هذا البرهان الإلهي يأتي لصاحبه مرّة واحدة فقط . ولن يكون هناك بعده حاجة لبرهان آخر .
هذه الحقيقة في البرهان تتعرض باستمرار لاستخدام كاذب من أولئك المشاركين ، مدعين أنّ فلانًا سيحدث معه كذا ، فإذا سئلوا عن مصدر علمهم بهذا قالوا: شيء أكرمنا الله به .
ونختتم هذا الفصل بأصل من أصول هذا العلم وهو اجتماع النسوة ، فكل اجتماع لهن دليل على مصيبة ستحدث في مكان اجتماعهن ، ولو كان ذلك في الحرم .
وللغة دور في تأكيد هذا الأصل حيث لفظة ( المأتم ) هي لفظة خاصة باجتماع النساء حصرًا سواء كان هذا الاجتماع لخير أو لشر . ومن نافلة القول أن الناس يستعملونها للدلالة على المصيبة ((1) ) .
هذا النور الإلهي الذي يصاحب البرهان يمنح صاحبه صفاءً ذهنيًا وعقليًا ونفسيًا لا مثيل له . ولا يعرفه حق المعرفة إلا من تذوقه .
(1) - أدب الكاتب لابن قتيبة ص 20 .