فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 298

وأما النقطة الجوهرية الثانية التي تطرحها هذه القصة القرآنية فهي البرهان الإلهي . { ولقد همت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه } [ يوسف: 24] .

فالبرهان هو الدليل القاطع الذي يقوم بعد مناقشة عقلية محضة ، فإذا كان من الله فهو دليل مانع لأي شك وصل الذروة في مناقشة عقلية ولم يصل فيها صاحبها إلى اليقين . ففي حالة يوسف عليه السلام ، كان يرى - وهو يعيش في مجتمع وثني - انحلال هذا المجتمع وتفسخه ، فلا يقيم وزنًا لخلق أو دين .

فامرأة العزيز عندما دعت النسوة ليروا جماله ، انبهرن به ، وقطعن أيديهن ، ولم يصدر عن امرأة منهن ما يدل على استنكارها ، لما تعرضه تلك المرأة عليهن .

مجتمع كهذا ليس للفضيلة مكان فيه، مرتع خصب لشاب أعزب ، تتنامى لديه الرغبة الجنسية العارمة التي يؤججها جو من الإباحية ، والتعري ، شبيه تمامًا بما نراه في المجتمع الغربي اليوم .

ولكنه - في الوقت نفسه - يعيش في بيت رجل لم يجد منه إلا كل إحسان ورعاية ، فكيف يمكن له أن يرد على إحسانه بالإساءة ؟ وهل يتقبل عقله وضميره أن يخونه في زوجته ؟ هذا الصراع بين عقله وشهوته كان بحاجة إلى برهان . برهان يستند إليه يكون منجيًا له من صراعه ، ومنقذًا له من معاناته .

إنه - وإن كان قد همَّ بها - فإنه لا يزال يحتفظ بتلك القدرة العقلية والضميرية التي تغلب شهوته .

هذه المساحة المحدودة ما بين العقل والشهوة التي يتنامى أحدها على حساب الآخر ، كان بحاجة ماسة فيها إلى برهان يريحه . برهان يضع حدًا فاصلًا ما بين هذا وذاك .

ولم يكن هناك من أحد يستطيع أن يبوح له بما يعانيه ، وليس هناك من رادع اجتماعي له فهو في بيئة غريب عنها ، ولم يعد هناك من باب يطرقه غير باب الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت