فهرس الكتاب
ولا يسعني هنا إلا أن أنبه إلى حقيقة رحمة الله تعالى بالملوك والرؤساء الذين يتحملون مسؤولية شعوبهم ، فهم في حقيقتهم نواب عن الله في أرضه ، يحكمون بأمره ، وعلى أيديهم تجري أرزاقهم ، وتصريف شؤونهم في أمور دنياهم ، من عدالة ، وأرزاق ، ومعاملات .
ولطالما هم يتحملون هذه المسؤولية التي كلفوا بها بإرادتهم أو بغير إرادتهم ، وبعلمهم أو بغير علمهم ، فإن من رحمة الله تعالى بهم أن يكرمهم بالرؤى الصادقة التي تعينهم على تحمل هذه المسؤوليات الجسام .
وما رؤيا هذا الملك إلا تطبيق عملي لرحمة الله تعالى به وبشعبه .
أما كيف استطاع يوسف عليه السلام أن يعبّرَ هذه الرؤيا هذا التأويل المبدع ؟ فهنا يكمن الإلهام الذي يفتقده المعبرون المجتهدون .
لقد قسّم يوسف عليه السلام رؤيا الملك إلى قسمين متساويين فكانت البقرات السمان دليل خصب للقرينة التي تصاحبها وهي ( سنبلات خضر )
وكانت البقرات العجاف دليل قحط للقرينة التي تصاحبها وهي ( وأُخر يابسات ) .
أما كيف استدل يوسف عليه السلام بأن نهاية هذا القحط هو سنة مخصبة فهذا ما خصّ الله به يوسف في تأويله . إذ لم يرد في ألفاظ الرؤيا ما يشير إلى ذلك .
لقد وفرت هذه الرؤيا لشعب بكامله ، الوسائل التي تمكنه من أن يتحكم في شؤون حياته لمدة خمسة عشر عامًا . وإنها لمدة زمنية طويلة ، كان من الممكن - لولاها - أن يعاني هذا الشعب معاناة حقيقية .
لقد كان تأويل يوسف عليه السلام لها { تزرعون سبع سنين دأبًا ، فما حصدتم فذروه في سنبله } [ يوسف: 47 ] حلًا مسبقًا لمشكلة قادمة .