فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 298

ثم رأيته يضرب في لَبّة بعيره ، ثم أرسله في العسكر ، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه .

قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضًا نبي آخر من بني عبد المطلب ! سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا ((1) ) .

وهكذا تكون قريش قد استنفذت الفرص التي منحت لها من الله تعالى ، وتبقى هي - وحدها - المسؤولة عن نتائج هذا الصراع الدامي الذي ينتج عنه هزيمة منكرة .

ومن هذه الرؤيا يؤخذ أصل من أصول هذا العلم ، وهو البعير الهائج الذي يدل على مصيبة واقعة على من يمسه أو يصيبه .

القلة العينية

لما كان الطرف المكي قد أستنفذ الفرص التي أتيحت له للتراجع في آخر لحظة ، ولما كان الطرف المدني قد عقد العزم على هذا اللقاء الفاصل ، الذي خطط الله له ، وأحكم تدبيره فيه فإنه كان لا بد من وجود سبب آخر إضافي يغري كل طرف في الآخر . إن إيجاد هذا السبب هو المعجزة الحقيقية التي لم تعط حقها من قِبَل كل من تحدث عن هذه المعركة .

فالآية الكريمة توضح هذا السبب فتقول:

{ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلًا ، ويقللكم في أعينهم ، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا } [ الأنفال:44] .

لقد تمثلت هذه المعجزة في ( القلة ) فالمكيون رأوا أعداد المدنيين قليلة ، والمدنيون رأوا أعداد المكيين قليلة . هذه الرؤية التي رأتها العين المجردة لكل من الطرفين في الآخر ، كانت حافزًا لكليهما لكي يطمع كل طرف بعدوه .

لقد كان وجود هذا الحافز ضروريًا لكليهما ، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا .

وهكذا تكون هذه المعركة قد استوفت شروطها من زاوية علم الرؤيا بكل مراحلها ، فقد كان هناك بشرى للمؤمنين ، وتحذير للمشركين ، ثم إعطاء الفرصة الأخيرة ، وأخيرًا المعركة التي كان لا بد من وقوعها ، وقد أغرى الله كل طرف بخصمه من خلال رؤية كل طرف للآخر بأنه قليل العدد .

(1) -سيرة ابن هشام المجلد الثاني ص 270 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت