فهرس الكتاب
وتبقى بين أيدينا الرؤيا الثانية التي تؤكد أن ابن سيرين لم يتزوج . وحتى المصادر التي بين يديّ ، والتي اعتمدتها في بحثي هذا عن حياته ، ليس فيها أدنى إشارة إلى زواجه .
أما الرؤيا فتقول: أن امرأة جاءت إلى ابن سيرين وهو يتغذى فقالت: رأيت كأن القمر دخل الثريا وأن مناديًا ينادي أن ائتي ابن سيرين فقصي عليه رؤياك .
فقبض يده عن الطعام وقال لها: ويلك كيف رأيت ؟ فأعادت عليه ما رأته ، فاربدّ لونه ، وقام وهو آخذ ببطنه . فقالت له أخته: مالك ؟ فقال: زعمت هذه أني ميت إلى سبعة أيام . فمات في السابع ((1) ) .
ولا بد لنا من أن نحلل ما جاء في هذه الرؤيا لنفهم ما فهمه ابن سيرين منها .
فالثريا مجموعة من النجوم عددها سبعة تشكل شبه قوس ، وهي إحدى منازل القمر ، فإذا دخل القمر فيها فلا يخرج إلا بعد سبعة أيام .
وإذًا فقد كانت إنذارًا له بدنو أجله ، حتى يتمكن من ترتيب أموره قبل رحيله .
وقد استدل هو على مصداقيتها ، من أن الذي رآها له لم يكن هو ، بل جاءته عن طريق امرأة محايدة لا تفهم رموز الرؤيا ولا تدرك معانيها .
وأما أنه كان يتناول غداءه عند أخته ، فهذا يدل على أنه لم يكن له بيت ، وأنه كان خارج السجن وهو لم يكن حرًا طليقًا ، وإنما لأنه رجل عرف بصلاحه ، ومكانته في المجتمع .
ولم يكن سجنه لجرم اقترفه ، وإنما كان بسبب ذلك المال الذي فقده من خلال تلك الفأرة اللعينة . ولهذا كانوا يسمحون له بالخروج من السجن ، كما مرّ معنا من قبل لما خرج للصلاة على الصحابي الجليل أنس بن مالك الذي أوصى أن يصلي ابن سيرين عليه .
ولكن لا تزال في رؤيا ذلك الرجل الذي رأى شعرًا كثيرًا نابتًا على قدميّ ابن سيرين . لا تزال هناك نقطة جديرة بالاهتمام هي أن هذا الرائي هو الذي قام بقضاء الدين عن ابن سيرين بعد وفاته . فلماذا لم يقم بقضائها عنه وهو حي ، ويكون بذلك قد أخرجه من السجن الذي مات فيه ؟
(1) -تفسير ابن سيرين ص 328 .