فهرس الكتاب
وما رؤيا بسمارك إلا مثال ثان حي على قابلية استغراق هذه المدة الزمنية .
فبسمارك يقول في رسالته أنه رأى هذه الرؤيا في عام 1863 ، ويسجلها في خطابه إلى القيصر فيلهلم في عام 1881 أي بعد مرور أقل من عشرين عامًا بقليل ، ثم يقول في نهايتها: ( ولقد صار هذا الحلم حقيقة ) إنه قول يكاد يتطابق مع قول يوسف عليه السلام لأبيه: ( هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) .
فكلا الرؤيتين لم تمحيا من أذهان رائيهما ، على الرغم من هذه المدة الزمنية الطويلة ، مما يجعلها مستوفية لأول شرط من شروطها وهو احتفاظ الذاكرة بها بكل تفصيلاتها .
والشرط الثاني للرؤيا الصادقة قصرها ، ولا يغرنك الأسطر الستة التي حوتها ، إذ أن التصوير الذي ورد فيها جعل هذا الوصف يطيلها .
فالمنظر المرسوم هو طريق ضيق عن يمينه هاوية ، وعن يساره صخور ثم طريق فسيح يشرف على تلال .
هذه هي الأرضية التي لا بد للرائي من أن يقف عليها ليستكمل سيره في الرؤيا . فكان هناك السوط والصخرة والفرق البروسية .
لقد كانت رؤيا قصيرة بكل أبعادها ، تكاد تتماثل تمامًا مع رؤيا فرعون ( في سبع بقرات سمان ) .
والشرط الثالث هو خلو ذهن رائيها من رموزها التي لا يستطيع خياله مهما كان مبدعًا أن يستجمعها في ذهنه على هذا النحو التخيلي البديع .
ولو كانت هذه الرؤيا حديث نفس أو من مخلفات اليقظة لما تواجد فيها هذا العدد المحدود من الرموز القابلة للتعبير .
فأن تكون فيها طريق ضيق ، وهاوية ، وصخور ، ثم فرس ، ثم غابات ، ثم ضرب بالسوط ، وبعدها ظهور كتائب عسكرية . كل هذا لا يمكن جمعه في مخيلة الرائي ، بل هو تجميع من صنع الله الذي دعاه بسمارك خلالها أن يوضح له طريقه .
ورابع هذه الشروط ، هو التبشير أو التحذير . ومن المؤكد أنها استوفت هذا الشرط استيفاءً كاملًا ، إذ أنها حملت بشرى عظيمة له بالخلاص مما هو فيه .