فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 298

فبسمارك نفسه يقول إنها جاءته في أشد أيام ذلك الصراع الذي لم تكن تستطيع عين إنسان أن ترى منه مخرجًا .

فقد جاءته مبشرة بالخلاص من هذه المعاناة التي لا يعرف طريقًا للخلاص منها ، وقد تحققت هذه البشرى بدءًا من استيقاظه ( مثلج الصدر مشددًّا ) ثم خاتمة عندما قال: ( لقد أصبح هذا الحلم حقيقة )

ولطالما لم يستطع فرويد أن يصطنع الحدود التي لا تجعل كل الأحلام خاضعة لمقياس واحد ، ولطالما لم يستطع أن يتبين حدود الرؤيا الصادقة التي تخرجها عن باقي الأحلام ، فإنه عندئذٍ لا بد له من أن يتخبط في تحليل هو نفسه لم يكن مقتنعًا به ، إذ نراه يحاول التخفيف من وقع تحليله الذي يتناقض تمامًا مع شخصية بسمارك من جهة ، ومن فهم رمزية السوط واختلافه عن رمزية العصا - إذ جعلهما كلًا واحدًا رموزًا قضيبية - فإننا نراه يقول: وإن تكن الإشارة لا تتجه بالطبع إلى ملابسات الحالم المعاصرة بل إلى رغباته الطفيلية المنتمية إلى الماضي السحيق .

لقد أبرز في تحليله خلطًا في فهم رمزية كل جزء عن غيره . ففي هذا العلم يكون للعصا رمز مختلف تمامًا عن رمزية السوط .

ولكي نتبين هذا الفرق في المعنى الذي يحمله هذان الرمزان . فإنني سأتوقف عند عصا موسى الذي قال عنها فرويد بأن فقرة التوراة قد حوت من التفاصيل ما ينطبق على تخييل استمنائي . ويقوده هذا إلى اعتبار حمل موسى للعصا أمرًا محرمًا خالف فيه الله . وأن الماء الذي انبجس من ضربه للصخرة إنما هو حدوث سائل نتيجة للإستنماء .

أمام تحليل كهذا تتهاوى هذه القدسية التي تحيط بموسى عليه السلام ، وتتهاوى معها عظمة بسمارك في حمله لسوطه ، لينحصر الحلم في رمزين جنسيين هما القضيب والاستنماء . وهذا هو الفرق الهائل بين مفهوم العصا عند فرويد وبين مفهومها عندنا . فالعصا التي حملها موسى عليه السلام ، أحدثت معجزات إلهية كانت فوق إدراك بني إسرائيل لها ، وفرويد واحد منهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت