فهرس الكتاب
لقد كان يمتلك قلبًا قاسيًا ، وطموحًا لا حدود له ، وجرأة لا مثيل لها ، ولو لم يكن كذلك لما استطاع أن يعيد وحدة أمته ، وأن يقطع جذور كل من يحاول أن يمد يده إليها بسوء . إن حمل سوطه بيده اليسرى هو الدليل على أنه كان يضرب أعدائه الذين في الداخل أولًا ـ ثم أعداءه خارج بلده ـ بكل قسوة وجبروت ، وما ذلك إلاّ لأن استعمال اليسار دالٌ على بطش شيطاني مريع .
فالشيطان وهو الذي يمثلّ المنشقَّ عن عالم الجن إنما يستعمل يده اليسرى خلافًا لعالم الإنس الذي يستعمل يده اليمنى . إن استعمال اليد اليسرى عند الشيطان إنما يكون دليله قوله تعالى في سورة الواقعة حيث يقول: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ، في سموم وحميم } [ الواقعة: 41-42] ، ومن هنا نستنتج أنه كان رجلًا قاسيًا لا يعرف التهاون ولا الشفقة أمام تنفيذ أوامره . وإذا كانت رؤياه قد صرحت بأنه يمسك بالسوط بيده اليسرى ، فهل صرحّت التوراة بأن موسى كان يمسك عصاه بيسراه ؟
ويبقى في رؤياه جزء لا بد من الوقوف عنده وهو أنه في أثناء ذلك كان ( يدعو الله ) أن يعينه على مواجهة هذه الصعاب التي تعترضه . وما كان الله ببعيد عنه ، فقد بشرّه فيها بتحقيق مراده عندما تهاوت الصخرة أمامه ، وظهرت بعدها الكتائب البروسية حاملة راياتها . إنني لا أريد أن أضفي على بسمارك صفة المؤمن الذي يستجاب دعاؤه ، ولكنني أحاول أن أفهم هذه الرؤيا فهمًا يتسامى مع أبعادها .
لقد بشره الله تعالى فيها بالخلاص مما يواجهه من عقبات ، لأنه هو نفسه كان يسعى وراء هدف جدير بكل سياسي وعسكري أن يسعى إليه .
فهو يريد أن يرى أمته قوية لها مكانتها بين الأمم ، متحدة في كيان قوي ، ويريد أن يرى وطنه متسعًا ممتدًا . وأهداف كهذه لا يكون تحقيقها بعيدًا عن رضا الله سبحانه ،بل ربما يكون لله إرادة في تحقيق ذلك .