فهرس الكتاب
لقد أفرد الله سبحانه لعالم الجن سورة خاصة بهم سمّاها سورة ( الجن ) للدلالة على وجود هذا النوع من الخلق ، ويقابلها سورة ( الإنسان ) للدلالة على عالم الإنس .
لقد وردت لفظة ( الجن ) في القرآن الكريم في اثنتين وعشرين آية دالة على الجمع وفي سبعة مواضع دالة على المفرد منهم وهو ( الجان ) .
وهو ثاني العوالم اللامرئية التي حجبت رؤيته عن عالم البشر . ويحيط بهذا العالم مفاهيم متباينة أشد التباين ، فبعضهم ينكر وجوده جملة وتفصيلًا ، وبعضهم يؤمن بوجوده من باب التسليم لأن الله سبحانه سمّى سورة باسمهم . معتبرين أن الحديث عن هذا العالم إنما هو حديث عن خلق سابق قد انقضى ، وما حديث القرآن عنهم إلا من باب العبرة وضرب المثل .
وهناك نوع آخر يؤمن به إيمانًا خاصًا حيث ينسب إليه كل ما تعانيه البشرية من شرور وآثام .
فإذا دخلنا عالم المفسرين الذين فسّروا القرآن الكريم قديمًا ، وتبعهم في ذلك جملة من المفسرين المعاصرين ، فإننا نجد أنهم جميعًا نظروا إلى القرآن الكريم نظرة أحادية ، منطلقين في ذلك من مفهوم خاطئ هو أن هذا القرآن الكريم إنما نزل علينا وحدنا ، وأننا وحدنا مَن خصه الله بما فيه .
ولا يسعني قبل أن أبدأ بحثي هذا من أن أؤكد على أن هذا العالم إنما حجبت رؤيته عنا من خلال قول الله تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } [ الأعراف: 27] .
فالآية تؤكد أن عالم الإنس مرئي منهم في ليله ونهاره ( إنه يراكم هو وقبيله ) ولذلك أطلقت على عالم الإنس العالم المرئي .
ولأننا لا نستطيع أن نراه في ليلنا ولا نهارنا: ( من حيث لا ترونهم ) فقد أطلقت عليه العالم اللامرئي . وهذان المصطلحان سيرافقان هذا البحث .