فهرس الكتاب
ومن الواضح أن ( السابقون ) قد كُررت مرتين ، وأن الثانية ليست توكيدًا للأولى كما يظن النحويون . إذ أن الآيات تشير إلى وجود طائفتين مؤمنتين كلاهما سابق في إيمانه ، وهما من نوعين مختلفين .
فأما النوع الأول فهم المؤمنون من الأولين ، وهم من حيث العدد أكثر من الآخرين فهم ( ثلة ) ونحن ( قلة ) .
ولقد دلت الأولى على أنهم أول الخلق ، ودلت الثانية على أننا آخر الخلق . ولتأكيد هذه الحقيقة الأخيرة قال عليه الصلاة والسلام: (( نحن السابقون الآخرون ) ) ((1) ) .
ويتم في سورة الواقعة تحديد مكان كل منهما في الجنة حيث يجلسون ( متقابلين ) فالجالسون على الجهة اليمنى هم المؤمنون من عالم الإنس ، والجالسون على الجهة اليسرى فهم المؤمنون من عالم الجن ، إن هذا التقابل بين المؤمنين من عالمي الإنس والجن في الجنة تؤكده الآيات الكريمة في ثلاثة مواضع أخرى في القرآن الكريم .
ففي سورة الحجر قال الله تعالى: { إن المتقين في جنات ونعيم ، ادخلوها بسلام آمنين ، ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين } [ الحجر: 47 ] .
ولما كانت التقوى هي الصفة التي تمكّن صاحبها من دخول الجنة . فإنه عندئذٍ لا فرق هناك بين تقي عربي وغير عربي كما أنه لا فرق هناك بين تقي من الإنس وتقي من الجن .
لقد أطلقت صفة ( التقوى ) على كل مخلوق أيًا كان نوعه أو جنسه .
ويتواصل هذا التأكيد في سورة أخرى هي سورة الدخان . قال الله تعالى:
{ إن المتقين في مقام أمين ، في جنات وعيون ، يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين } [ الدخان 51- 53 ] .
إن هذه الآية تكاد تتطابق تمامًا مع سابقتها . ففي كلا الآيتين نجد أن المتقين في جنات وعيون ، وهم آمنون ، وهم متقابلون .
(1) -عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة ، ويراجع صحيح مسلم في كتاب الجمعة /855/ ترقيم فؤاد عبد الباقي .