فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 298

لكن الآية الأولى أضافت إضافة جوهرية تؤكد على أن ( التقابل ) في الجنة يحمل ( نزع الغل ) من نفوس هؤلاء ومن صدورهم .

إذ أننا نحن - عالم الإنس - لا نكاد نسمع بذكر عالم الجن فردًا أو جماعة حتى نستشعر الخوف منهم وتمتلئ نفوسنا ذعرًا من ذكرهم . لاعتقادنا أنه لا يأتينا منهم إلا كل شرّ ، ولا يصيبنا منهم إلا كل أذى . ونكون بذلك قد حملنا عالم الجن كله مسؤولية ما نواجهه من خلال عالم إبليس وذريته . ولطالما كان حالنا كهذا فكيف يمكن لنا أن نتقبل الجلوس معهم في الجنة ، وأن نراهم بأعيننا .

ولهذا كان ( نزع الغل ) من صدورنا ضروريًا لنا لنتمكن من التعامل معهم في الجنة بلا حذر أو ريبة ، فهم متقون مثلنا ، نأمنهم ويأمنوننا .

وهذا يؤكد على أن هؤلاء ( المتقين ) منهم ما كانوا ليفوزوا بالجنة لو لم يكونوا مؤمنين حقيقيين بعيدين تمامًا عن أي أذى يصدر عنهم تجاهنا .

وتضيف الآيات من سورة الصافات صفة أخرى زيادة على صفة التقوى وهي أن هؤلاء هم عباد لله مخلصون في عبادتهم إخلاصًا يجعلهم مؤهلين لدخول الجنة سواء بسواء مع المؤمنين المخلصين منا .

قال الله تعالى:

{ إلا عباد الله المخلصين ، أولئك لهم رزق معلوم ، فواكه وهم مكرمون ، في جنات النعيم على سرر متقابلين } [ الصافات: 40-41 ] .

وما هذا التقسيم إلا تأكيدًا على أن عالم الإنس يستعملون اليد اليمنى والقدم اليمنى . أما عالم الجن فإنه يستعمل اليد اليسرى والقدم اليسرى . وقد أُلحق المؤمنون منهم بالمؤمنين منا فأطلق الله تعالى على كليهما اسم أصحاب اليمين .

وهذا تأكيد ثان لقوله تعالى: { ومضى مثل الأولين } أي أصبحوا كما قلنا تابعين لعالم الإنس فاقدين بذلك خصوصيتهم .

ومن هنا يفهم لماذا كان النبي I يحب التيامن ويطبقه في سلوكه ، إعلانًا منه أنه من عالم البشر وإليه ينتمي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت