فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 298

ولا بد لي قبل أن أؤكد المعنى الاصطلاحي لمادة ( أول ) التي استعملها القرآن الكريم للدلالة على ذلك العالم الذي خلقه أولًا وهو عالم الجن . من أن أستعرض ما قاله المفسرون قبلي في فهم هذا المصطلح . وموطن الخلاف في الآية السابقة قوله تعالى: ( لأولنا وآخرنا )

فالطبري يقول: اختلف أهل التأويل فيها . ويقول بإسناد عن السدي قال: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا .

حيث يفسر هذا الإسناد لفظة ( لأولنا ) بكلمة ( نحن ) وآخرنا ( ومن بعدنا ) .

وحيث يطول هذا الاختلاف فيما بينهم فإننا نتوقف عند ابن عباس بإسناد ينقله الطبري عنه فيقول: أكل منها حين وضعت بين أيديهم آخر الناس كما يأكل منها أولهم .

وينهي الطبري هذا الاختلاف بقوله:

فإن الأولى من تأويله بالصواب قول من قال: تأويله للأحياء منا اليوم ، ومن يجيء بعدنا منا .

ويختصر القرطبي كل ذلك فيقول: ( عيدًا لأولنا ) أي لأول أمتنا وآخرها .

هذا العرض الموجز لأقوال هذين المفسرين كاف للدلالة على أنهما اتفقا على أن هذه المائدة هي لنا نحن البشر ولا أحد سوانا .

ويكون قولهم هذا صحيحًا لو أن السيد المسيح قال: ( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا ) واكتفى بذلك فلم يفصل .

ولكن عندما قال ( لأولنا وآخرنا ) فقد فصّل لمن يكون هذا العيد وهذه المائدة . فالمدعوون لهذه المائدة أولئك النفر من الجن الذين آمنوا بالسيد المسيح ودعوته . فكما أن القرآن الكريم يقرر وجود جن يهود مؤمنين في قوله تعالى:

{ وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ، قالوا إنا سمعنا كتابًا أُنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } [ الأحقاف: 29-30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت