فهرس الكتاب
يقودنا الحديث عن هذه المشاركة الجماعية إلى التوقف عند الأنبياء الذين واجهوا عداء ناصبًا من أقوامهم ، وانتهى بهم المطاف جميعًا إلى إبادة جماعية بعذاب مدمّر . وأول هذه الأقوام قوم نوح عليه السلام: يقول الله تعالى:
{ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم و ( شركاءكم ) ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون } [ يونس: 71] .
توضح هذه الآية بجلاء أن نوحًا عليه السلام كان يدرك إدراكًا عميقًا للمشاركة الجماعية القائمة بين قومه وبين شركائهم من الجن .
لقد أمضى حياته كلها معهم داعيًا لهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده . ثم أدرك أن إعراض قومه عن الإيمان بدعوته وراءه سبب خفي هو عناد شركائهم له . إذ أن قومه إذا استجابوا لدعوته فإن أول شيء ينبغي عليهم فعله هو وضع حد نهائي لهذه الشراكة مع أولئك . فليس هناك من صلة بين العبد وبين ربه مهما كان نوعها غير الصلة المباشرة التي ترفض عندئذٍ أن تكون هناك وسائل تتخذ ذريعة لهذه الصلة .
إن إدراك هؤلاء المجرمين لحقيقة دعوى نوح عليه السلام بالإيمان كانت وراء كل عناد ومكابرة أملاها هؤلاء المجرمون على شركائهم . و إن إدراك نوح عليه السلام لهذه الحقيقة جعله يقول لهم { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي اجتمعوا معًا وقرروا ، وليكن اجتماعكم معلنا لا خفاء فيه ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) وأنا راض عن أي قرار تتخذونه أنتم وشركاؤكم .
لقد كان نوح يدرك أن دعوته إلى عبادة الله وحده ، لن يستطيعوا إنكارها . وإنما كانت مشاركتهم لبعضهم بعضًا تحقق للطرفين مآرب عديدة .