فهرس الكتاب
أن يكون ذهن الرائي خاليًا تمامًا من أي موضوع متصل بما يراه ، وخير دليل على ذلك رؤيا يوسف عليه السلام وهو فتى ( لأحد عشر كوكبًا ) حيث لم يكن يوسف وقت ذاك في سن يسمح له بأن يستوعب ألفاظ هذه الرؤيا ، ويدرك مدلولاتها . وفتى في مثل سنه لا يزيد عمره وقتها عن سبع عشرة عامًا ، يكون ذهنه منصرفًا إلى ما يتناسب مع سنه .
أن تكون ألفاظها قليلة ، ومدتها قصيرة . وكلما قصرت قلت ألفاظها ، وعندئذٍ تكون مصداقيتها أبلغ ، وأحداثها ملزمة الوقوع . ففي رؤيا ذبح إبراهيم لابنه إسماعيل لفظتان فقط هما ( أني أذبحك ) ولكون هذه الرؤيا أقدم رؤيا يعرضها القرآن الكريم بهاتين اللفظتين ، فقد بني على هذا تشريع سماوي ملزم بالأضحية في موسم الحج ويبدو أن هذه الصفة كانت صفة أساسية لدى المعبرين قديمًا ، ولهذا نجدهم عندما عرضت عليهم رؤيا الملك { في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات } أنهم قالوا عنها بأنها ( أضغاث أحلام ) .
وما كانوا ليصفوها بهذا لو لم يجدوها طويلة . ففيها إحدى عشرة لفظة ، وهذا العدد وحده كافٍ لينزعوا عنها صفة الصدق .
3-الرؤيا الصادقة تلزم رائيها أن يحتفظ بها في ذاكرته مدة طويلة ، كأنه يودعها في مستودع عقله ، فإذا ما تحققت استخرجها مسترجعًا كل لفظة وردت فيها ، وكل صورة عُرضت فيها عليه . فيوسف عليه السلام عندما رأى { أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } نجده يقول عندما رأى اخوته وأبويه يسجدان له { هذا تأويل رؤياي من قبل } لقد كان هناك زمان ممتد لعشرين عامًا تقريبًا ، ما بين هذه الرؤيا وبين تحقيقها . وعلى الرغم من الأحداث المثيرة التي مرّ بها خلال عقدين من الزمان ، فإنه عندما رأى تحقيق ذلك استرجعها لم يُنقِص منها حرفًا .
وعلى هذا فالمعبرون يضعون حدًا لتحقيق الرؤيا الصادقة أقصاه عشرون عامًا ((1)
(1) - أنظر الطبري - المجلد الأول ص364 حيث يقول:
(( وحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن اسحاق ، قال:
ذكر لي - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانيّ عشرة سنة . أ-هـ