فهرس الكتاب
وما الحجاب الذي يفصل العبد عن ربه إلا حجاب النوم . ومن خلاله يلقي الله تعالى على عبده ما يريد منه .
إلزامية الرؤيا
إذا كانت الرؤيا ملزمة الوقوع ، فهل هي واجبة التنفيذ ؟ ولا بد للإجابة على هذا السؤال الذي كثيرًا ما واجهني ، من أن أبيّن أن ذلك يتناسب مع استعداد الرائي للتنفيذ .
لقد ضرب إبراهيم عليه السلام المثل الرائع في استعداده لتنفيذ ما رآه ، لقد كان ابنه الوحيد ـ وقتذاك ـ الذي جاءه بعد انقطاع الأمل في إمكانية امتلاكه للولد ، ولكنه مع ذلك ، لم يتردد أبدًا في تنفيذ ما رآه .
إن هذا الإيمان بالإلزام في التنفيذ هو خاصية من خصائص الأنبياء ومن في مستواهم ، وهذا لا يكون إلا بحسب درجة استعداد الرائي من فهمه لحقيقة رؤياه .
وها هو ذا ملك مصر زمن يوسف عليه السلام الذي رأى سبع بقرات سمان . لقد أدرك أن رؤياه تحمل هدفًا غائبًا عن ذهنه ، وشعر بحاجة ماسة إلى اكتشافه .
وعندما فسّر له يوسف عليه السلام رؤياه سارع إلى تنفيذها ، وأدرك أن تقصيره في ذلك سيوقعه هو وشعبه تحت سطوة مجاعة عارمة تصيبهم .
لقد كانت سرعة تنفيذه منجاة له ولشعبه ، وبهذا يكون الاستعداد قد بلغ مداه فحقق الغاية المرجوة منه .
وبالمقابل فإن فرعون موسى عليه السلام ، تنكّر للرؤيا الصادقة التي أنذرته بأنه إن لم يؤمن بموسى فإنه هالك هو ومن معه .
فالمؤرخون يذكرون أنه رأى في نومه نارًا خرجت من فلسطين ، فوصلت مصر ، وأنها دخلت كل بيت فيها فأحرقته .
فأخبره معبروه بأنه سيخرج من صلب يعقوب عليه السلام ولد يكون زوال ملكه على يديه .
لم يكن فرعون هذا يملك أي استعداد للتنفيذ ، فعارض وقاوم ثم هلك هو ومن معه ، لا في دنياه فحسب ، بل وفي آخرته ، ولم يهلك وحده وإنما أهلك شعبه معه ((1)
(1) -يروي الطبري بإسناد عن السدي أنه قال ما حدثنا موسى بن هارون ، قال:
حدثنا أسباط ، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة الهمذاني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله I:
أنه كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر ، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل ، وأخربت بيوت مصر .
فدعا السحرة والكهنة والقامْة والحازة فسألهم عن رؤياه فقالوا له:
يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر .
فأمر ببني إسرائيل ألا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ، ولا يولد لهم جارية إلا تُركت .
انظر في تتمة الخبر ، الطبري ، المجلد الأول ص 388 وما بعدها تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، الناشر دار سويدان ، بيروت - لبنان .