فهرس الكتاب
فالفعل ( يجتبيك ) هو فعل استعمله الله سبحانه لاثنين من الأنبياء ، مرّ كل واحد منهما بتجربة مريرة .
أولهما كان آدم عليه السلام ، الذي تعرض لتجربة قاسية مع الشيطان . وتفصّل الآيات الكريمة بألفاظ مكثفة أبعاد هذه التجربة فتقول:
{ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } [ طه:120-122] .
فهنا عصيان لأمر الهي ، يتبعه غواية من الشيطان ، كادت أن تذهب بآدم عليه السلام .لقد كانت هذه التجربة مُرة قاسية على آدم ، فهو أول من مرّ بتجربة كهذه .
فقد كان صراعه مع الشيطان صراعًا لا مرئيًا ، ولم يكن انحرافه وعصيانه نابعًا من ذاته ، وإنما بفعل مؤثر خارجي لا مرئي له .
ولما كانت كل تجربة لها خاتمة كما أن لها بداية ، فقد كان ( الاجتباء ) لآدم خاتمة لها .
وأما الاجتباء الثاني فكان ليونس عليه السلام . فقد وصف الله سبحانه تجربته فقال: { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } [ القلم:48-50] . فيونس عليه السلام ، أوصله قومه إلى قمة الغضب ، عندما رآهم معرضين عن الإيمان بدعوته ، فغادرهم غاضبًا قد مُلئ غيظًا ، ولم يدرك أن غضبه هو ما يريده الشيطان منه ليصرفه عن استكمال دعوته لقومه .
وهنا نجد أنّ عصيانه في تنفيذ الأمر الإلهي الذي كُلف به ، لم يكن نابعًا من ذاته ، وإنما بفعل مؤثر خارجي عنه . وأمام هذا العصيان كان هناك ( الاجتباء ) ليونس خاتمة لهذه التجربة . أما في حالة يوسف عليه السلام فقد كان هذا ( الاجتباء ) مقدرًا عليه من قبل أن يخوض أية تجربة ، ومن قبل أن يتعرض لأي مؤثر خارجي شيطاني أو غير شيطاني .