فهرس الكتاب
ولما كان ( اجتباؤه ) والمعنى هنا اختياره وانتقاؤه مقدرًا عليه من قبل ، فلا بد عندئذٍ من إحاطة هذه التجربة بالشروط الكفيلة بنجاحها .
ولهذا فلقد تم اقتلاعه من محيطه التربوي والاجتماعي بعيدًا عن تأثير أبيه النبي يعقوب عليه السلام عليه ، ثم نفيه إلى محيط اجتماعي مختلف تمامًا عن مجتمعه في عاداته وتقاليده ومفاهيمه .
فالمجتمع المدني يتسم بحرية أفراده ، وللمرأة فيه حظ كبير من الحرية والاستقلال والتنقل ، أما المجتمع الصحراوي فهو مجتمع يقيّد أفراده بقيم القبيلة ، ومفاهيمها ، وليس للمرأة فيه حظ كحظها في مجتمع المدينة .
هذا الإطار الخارجي لهذه التجربة ، هو الإطار الذي وفّر ليوسف هذه الحرية التي كان يفتقدها ، والتي هو بحاجة ماسة لها . فقد جاء إلى هذا الوسط الاجتماعي فتى لا يزيد عمره عن سبعة عشر عامًا ((1) ) ، ثم ها هو ذا ينتقل فيه من مكان لآخر حتى استقر المقام به في بيت العزيز .
هذه الخبرة الاجتماعية التي تنامت معه ، صقلت شخصيته ، فمنحته تلك الرجولة التي تستهوي النساء المتزوجات في أزواجهم .
لقد كان بيت العزيز هو الإطار الداخلي الذي يحقق لهذه التجربة شرطها الضروري ، ففيه امرأة متزوجة ذات غنى ، ولها حريتها التي تمكنها من أن تفعل ما تشاء .
أضف إلى ذلك تمتعها بشخصية قوية قادرة على أن تتحكم بشؤون بيتها وأن تفرض إرادتها على زوجها .
هذا الزوج الذي صوره القرآن الكريم بأنه مسلوب الإرادة ، ضعيف الشخصية أمامها ، قد سلبت منه نخوته ، وحرصه على عرضه .
إذ أنه ، وبعد أن انجلت حقيقة خيانتها أمامه ، لم يزد على قوله: { يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } [ يوسف:29] .
رجل كهذا إرادته مسلوبة في بيته ، وشخصيته ضعيفة إلى هذا الحد أمام زوجته ، مع أنه في منصب حكومي يفرض عليه أن يكون آمرًا وناهيًا وذا شخصية قوية في عمله أمام رؤسائه .
(1) -تاريخ الطبري ، المجلد الأول 336 ، دار سويدان-بيروت .