فهرس الكتاب
ألم تقل هي نفسها بصوت مرتفع أمام النسوة الشامتات بها ، وبكل ثقة واقتدار ، وبلا أدنى حياء أو خجل { ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين } [ يوسف:32] . ألم يكن رفضه في تحقيقه لشهوتها ، طعنة بالغة لأنوثتها ؟ وهل هناك تحطيم أبلغ لامرأة تلقي نفسها بين ذراعي رجل لكنه يرفضها ؟ إنها مهانة كبرى لن تتقبلها ، وستحرص على أن ترد هذه الطعنة بطعنة أكثر إيلامًا من طعنته .
ولم يكن أمامها ما يحقق لها ذلك إلا أن تكيد . والكيد فعل شيطاني لا مرئي ، فيه يحيك المشاركون مؤامراتهم مع شركائهم . إنني أفهم هذا الكيد الذي اضطلعت به مع شركائها من خلال قولها عندما اعترفت بالمؤامرات التي كادت له فقالت: { وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين } [ يوسف: 52 ] ، فإذا كان الكيد منها ، فإن التنفيذ كان من شركائها الذكور فـ ( الخائنين ) جمع مذكر سالم . ولو كان شركاؤها إناثًا لقالت ( كيد الخائنات ) ، ولي وقفة عند لفظة ( الخيانة ) في فصل قادم .
لقد وصف الله تعالى هذا الكيد في أكثر من موضع دالًا من خلاله على المؤامرات التي يحيكها الشركاء للإيقاع بمن يريدون الإيقاع به .
{ أم يريدون كيدًا ، فالذين كفروا هم المكيدون } [ الطور:42]
{ وما كيد الكافرين إلا في ضلال } [ غافر:25]
{ فقاتلوا أولياء الشيطان ، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا } [ النساء:76]
ولم يكن هناك من وسيلة ، أمام هذا الشاب الأعزل المنقطع الجذور، الخالي من أية حماية ، سوى اللجوء إلى الله تعالى ، يدعوه فيها إلى أن ينير له دربه، وأن يفتح له آفاق ما يجهله مما يحاك ضده .
وهنا تأتي الرؤيا الصادقة التي بدأت مع يوسف عليه السلام ، محذرةً له من مؤامراتهم ، وكاشفة له عما يخططون له للإيقاع به .