فهرس الكتاب
سبق أن بينَّا أن للحنابلة ثلاث روايات, إحداهما: توافق الحنفية، والثانية: توافق الشافعية, وقد سبق ذكر أدلة الحنفية, والشافعية, والمناقشات التي وردت عليها, فلا داعي لإعادتها, ونذكر الآن دليل الرواية الثالثة عند الحنابلة, فقد استدلوا بما يلي:
1 -ما روى سعيد بن المسيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب» .
2 -ما سبق الاستدلال به في أدلة الشافعية, وهو ما روي معمر بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» .
وجه الدلالة من الحديثين:
إن المماثلة التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تنضبط إلا بكيل أو وزن, وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن الربا لا يجري إلا في مطعوم يوزن أو يكال.
3 -الأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها, وتقييد كل واحد منها بالآخر, فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام إلا مثلًا بمثل, يتقيد بما فيه معيار شرعي, وهو: الكيل والوزن, ونهيه -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه [1] .
والحاصل كما يقول ابن قدامة: إن ما اجتمع فيه «الكيل» و «الوزن» و «الطعم» من جنس واحد, ففيه الربا كـ «الأرز» و «الذرة» و «اللبن» و «اللحم» ، وما يعدم فيه «الكيل» و «الوزن» و «الطعم» , واختلف جنسه, فلا ربا فيه, وهو قول أكثر أهل العلم.
وما وجد فيه «الطعم» وحده أو «الكيل» و «الوزن» من جنس واحد اختلف أهل العلم فيه, والأولى حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به, ولا معنى يقوي التمسك به [2] , وهذه الرواية تجمع بين دليلي أبي حنيفة في اعتباره «الكيل» , والشافعي في اعتباره «الطعم» .
الرأي الراجح:
إذا تأملنا آراء الفقهاء في المذاهب السابقة يتبين لنا أن الحنفية قد وسعوا دائرة الأموال التي يتحقق فيها الربا، وأما الشافعية, فقد ضيقوا الدائرة بقصرها على المطعومات, وأما المالكية, فأكثر تضييقًا للأصناف التي يجري فيها ربا الفضل؛ حيث قصروها على المطعومات التي تكون قوتًا, وتصلح للادخار، وقد ذهب بعض العلماء إلى ترجيح مذهب المالكية, ومن هؤلاء فضيلة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة؛ حيث يقول في ذلك:"ومع ما لفقهاء الحنفية من مقدرة على ضبط الأقيسة نخالفهم في أن العلة هي الكيل في العوضين أو الوزن فيهما, وذلك للأسباب الآتية:"
(1) المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:7.
(2) نفس المرجع السابق.