فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 22

أولهما: أن علة التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء إنما علة التحريم تكون في ذات الشيء, فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خص بعض الأشياء بمنع التفاضل فيها عند اتحاد جنسها، وضرورة قبضها عند بيع بعضها ببعض, فلابد أن يكون ذلك التحريم لأوصاف أو منافع خاصة في هذه الأموال لا لكونها تكال أو توزن.

ثانيهما: أن «الوزن» و «الكيل» ليسا وصفين ملازمين للأموال, بل هما أمور عارضة, ومن الأشياء ما تعين مقاديرها في بلد بالكيل, وفي آخر بـ «الوزن» , فـ «الزيوت» يقدر بعضها في بعض البلاد بالكيل, وفي آخر بالوزن، وإن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون قد تحقق فيه علة الربا في بلد, ولا تتحقق في بلد آخر، فيكون الشيء الواحد حرامًا؛ لأنه ربوي في بلد وحلالًا؛ لأنه غير ربوي في بلد آخر، ويكون للشارع في أمر واحد حكمان متناقضان.

ثالثهما: أننا لو سايرنا هذا المبدأ لترتب على ذلك أنه يجب التقابض في أكثر البياعات, فلو بيع زيت بذهب لوجب التقابض في المجلس, ولو بيع تمر في مصر بفضة لوجب التقابض في المجلس، ولو بيع الحديد الذي يقدر بقناطير الذهب لوجب التقابض, وإن هذا لغريب؛ ولذلك تدارك الفقهاء الأمر, وأهملوا قاعدة الوزن أو الكيل فيما جرى العرف بالتفاوت في وزنهما.

لذا فقد مال فضيلته إلى اختيار رأي المالكية الذين يجعلون على التحريم بالنسبة للنقدين الذهب والفضة الثمنية, أي: كونهما أثمانًا، والعلة في غير النقدين «الطعم» و «الادخار» معًا, والحكمة كما يرى فضيلته واضحة في هذا, وهي منع بيع هذه الأصناف في هذه القيود لكيلا يؤدي الأمر إلى احتكارها, وهي أقوات الناس التي تقوم عليها حياتهم [1] .

وإني أرى أن الرواية الثالثة في المذهب الحنبلي, والتي رجحها ابن قدامة في «المغني» هي الرأي الأقرب إلى القبول؛ لقوة ما استندت إليه من أدلة؛ إذ لا الطعم وحده يستند إلى دليل قوي في اعتباره علة الربا, ولا الكيل وحده يستند إلى دليل كاف في ذلك، فإذا تكونت العلة من كليهما تضاعفت قوة الدليل, وتكاملت وجوهه, ثم هو أيسرها على الناس أيضًا.

وهذا يقتضي إلا يجري الربا فيما لا يتصف بصفة الكيل أو الوزن, وإن كان مطعومًا, ولا يجري فيما لا يطعم, وإن كان مكيلًا أو موزونًا، والله أعلم.

كيفية معرفة «المكيل» و «الموزون» :

المرجع في معرفة «المكيل» و «الموزون» هو العرف بالحجاز في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا قال الشافعي والحنابلة [2] , لما روى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

(1) بحوث في الربا: فضيلة الإمام محمد أبو زهرة: ص: 69 - 71.

(2) المهذب: للشيرازي: جـ1, ص:280, المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت