فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 22

وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقَا؛ لأنه بيع مال الربا بما لا ربا فيه أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه [1] .

استدل جمهور الفقهاء بما رواه سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان [2] .

وسبب الاختلاف بين الحنفية, وجمهور الفقهاء معارضة الأصول, والقواعد لمرسل سعيد بن المسيب, فإن اللحم مع الحيوان جنسان مختلفان, فكان ينبغي جواز بيعها ببعض دون نظر لأمر التساوي, إلا أن الحديث ينهى عن ذلك.

قال ابن رشد:"من لم تنقدح عنده معارضة هذا الحديث؛ لأصل من أصول البيوع التي توجب التحريم قال به، ومن رأى أن الأصول معارضة له وجب عليه أحد أمرين إما أن يغلب الحديث, فيجعله أصلًا زائدًا بنفسه أو يرده لمكان معارضة الأصول له، فالشافعي, وأحمد غلب الحديث, وأبو حنيفة غلب الأصول, ومالك رده إلى أصوله في البيوع, فجعل البيع فيه منه باب الربا [3] ."

وتغليب أبي حنيفة للقواعد, والأصول على الحديث لا يسلم له إلا إذا كان يرى في الحديث ضعفًا بحيث يجعله لا يقاوم قوة القواعد والتعليلات المأخوذة من حديث عبادة, وغيره في الأجناس الربوية, والحديث أخرجه الشافعي مرسلًا ووصله الدارقطني عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد, وحكم بضعفه, وصوب الرواية المرسلة المذكورة, وتبعه ابن عبد البر, وله مشاهد من حديث ابن عمر عند البزار, وفي إسناده ثابت بن زهير: وهو ضعيف, وأخرجه أيضًا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا, وأبو أمية ضعيف، وله شاهد أقوى من رواية الحسن عن سمرة عن الحاكم, والبيهقي, وابن خزيمة, وقد اختلف في صحة سماعه منه، ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه, فيدل على عدم جواز بيع اللحم بالحيوان [4] .

الجودة, والرداءة في الأموال الربوية:

الجيد, والرديء, والتبر المضروب, والصحيح المكسور سواء في جواز البيع مع التماثل, وتحريمه مع التفاضل, وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء [5] , فيجوز عندهم مبادلة حب جيد بحب رديء من جنسه أن تساويًا كيلًا؛ لأنه معيارهما الشرعي, ولا يؤثر اختلافهما في القيمة؛ لأن الجنس واحد, والمنفعة واحدة، ولا يصح أن يزداد من الرديء في مقابلة الجودة في البدل الآخر.

وروي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه, وقد ردَّ ابن وهب هذه المسألة على مالك, وأنكرها [6] .

(1) شرح فتح القدير: لابن الهمام: جـ5, ص:290, بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3120.

(2) الموطأ: للإمام مالك: ص: 406.

(3) بداية المجتهد: لابن رشد: جـ2, ص:157.

(4) نيل الأوطار: للشوكاني: جـ5, ص:313,314.

(5) بدائع الصنائع: للكاساني: جـ7, ص:3119. تكملة المجموع شرح المهذب: جـ10, ص:363. المغني: لابن قدامة: جـ4, ص:10,11.

(6) الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي: جـ3, ص:251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت