لشدة أضرار الربا توعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ أهله بحرب من الله ورسوله, فعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ في معنى قوله تعالى: (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) استيقنوا بحرب من الله، وقال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) , فقال ابن عباس:"من كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستثنيه، فإن نزع, وإلا ضرب عنقه"، وقال قتادة:"أوعد الله أهل الربا بالقتل, فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا", وقيل المعنى:"إن لم تنتهوا, فأنتم حرب لله ورسوله" [1] .
قال أبو حنيفة:"إن هذه الآية أخوف آية في القرآن الكريم؛ لأن أحدًا لا يطيق غضب الله, وحربه له".
جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - إمام أهل المدينة، يستفتيه في أمر حدث له، فقال له:"يا أبا عبد الله إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر [2] يريد أن يأخذ القمر, فقلت له امرأتي طالق إن كان يدخل ابن آدم أشر من الخمر, فقال مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك, فأتاه من الغد, فقال: ارجع حتى أنظر مسألتك, فرجع إليه الرجل مرة أخرى ثم عاد إليه في الغد, فقال له مالك: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله, وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله ـ تعالى ـ أذن فيه بالحرب [3] ."
وجه الدلالة من الآية الثانية:
جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ علامة لأكلة الربا, وذلك أنه أرباه في بطونهم, فأثقلهم, فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون، ويقال: أهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى, وكلما قاموا سقطوا, والناس يمشون عليهم؟ [4] .
الفرق الأساسي بين «البيع» و «الربا» :
في هذه الآية: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [5] رد على المعتقدين إباحة الربا من الكفار الذين زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا, وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، وجهلوا ما وضع الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا، فذمهم الله على جهلهم, وأخبر عن حالهم يوم القيامة, وما يحل بهم من عقابه [6] , وفرقت الآية بين «البيع» و «الربا» , فقال عز وجل: (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [7] , فالزيادة في البيع مشروعة ومعقولة؛ لأن لها سببًا يبررها، وهي أن المشتري يرغب في العين التي يبيعها له البائع؛ لأن فيها منافع مختلفة, وثمنها عرضة للزيادة عند الرواج, وندرة وجودها في الأسواق في بعض الأوقات، فالبائع إما أن
(1) الجامع لأحكام القرآن القرطبي: جـ3, ص: 364.
(2) العقار, الخمر, و عاقر الشئ معاقرة وعقارًا: لزمه, يقال: عاقره: لازمه, وداوم عليه, والمعاقرة: إدمان شرب الخمر. لسان العرب: جـ34, ص: 3038.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ3, ص:364.
(4) نفس المرجع السابق ص:453.
(5) سورة البقرة الآية رقم: 275.
(6) أحكام القرآن للجصاص: جـ 1, ص: 469.
(7) سورة البقرة جزء من آية رقم:275.