انسان لوامة فإنه ليس بشر إلا يلوم نفسه ويندم إما في الدنيا وإما في الآخرة فهذا إثبات النفس، ثم ذكر معاد البدن فقال {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه. بلا قادرين على أن نسوي بنانه. بل يريد الانسان ليفجر أمامه. يسئل أيان يوم القيامة} (القيامة: 3 - 6) ووصف حال القيامة الى قوله {تظن أن يفعل بها فاقرة} (القيامة: 25) .ثم ذكر الموت فقال: {كلا إذا بلغت التراقي} (القيامة:26) وهذا إثبات للنفس وأنها تبلغ التراقي كما قال هناك {بلغت الحلقوم} (الواقعة: 83) والتراقي متصلة بالحلقوم. ثم قال: {وقيل من راق} (القيامة: 27) يرقيها وقيل: من صاعد يصعد بها الى الله والاول أظهر، لاأن هذا قبل الموت فإنه قال {وظن أنه الفراق} (القيامة: 28) فدل على أنهم يرجونه ويطلبون له راقيًا يرقيه، وأيضًا فصعودها لا يفتقر الى طلب من يرقي بها فإن لله ملائكة يفعلون مايؤمرون والرقية أعظم الأدوية فإنها دواء روحاني ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة المتوكلين: (لا يسترقون) والمراد أنه يخاف الموت ويرجو الحياة بالراقي ولهذا قال: {وظن أنه الفراق} .ثم قال: {والتفت الساق بالساق. الى ربك يومئذ المساق} (القيامة: 29 - 30 فدل على نفس موجودة قائمة بنفسها تساق الى ربها والعرض القائم بغيره لا يساق ولا بدن الميت فهذا نص في اثبات نفس تفاق البدن تساق الى ربها كما نطقت بذلك الاحاديث المستفيضة في قبض روح المؤمن وروح الكافر. ثم ذكر بعد هذا صفة الكافر بقوله مع هذا الوعيد الذي قدمه: {فلا صدّق ولا صلى} (القيامة: 31) وليس المراد أن كل نفس من هذه النفوس كذلك. وكذلك سورة (ق) هي في ذكر وعي القيامة ومع هذا قال فيها {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد} (ق: 19) ثم قال بعد ذلك {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} (ق: 20) فذكر القيامتين الصغرى والكبرى وقوله {وجاءت سكرة الموت بالحق} أي: جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب وهو الحق الذي أخبرت به الرسل ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت فإن هذا مشهور لم ينازع فيه ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال: جاءت بالحق.
وقوله: {ذلك ما كنت منه تحيد} فالانسان وإن أكره الموت فهو يعلم أنه تلاقيه ملائكته وهذا كقوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر: 99) واليقين ما بعد الموت كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أما عثمان ن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه) وإلا فنفس الموت - مجر عما بعده - أمر مشهود لم ينازع فيه أحد حتى يسمى يقينًا. وذكر عذاب القيامة والبرزخ معًا في غير موضع وذكره في قصة آل فرعون فقال {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} . (غافر: 45 - 46) وقال في قصة نوح {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا} (نوح: 25) مع إخبار نوح لهم بالقيامة في قوله {والله أنبتكم من الارض نباتًا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا} (نوح: