فهرس الكتاب
ومن تناقضهم أنهم جعلوا خبر الواحد مظنونًا مع تجويزهم أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأ، ثم يوجبون العمل به مع ما يخالج نفوسهم من احتمال كونه باطلا. ولا شك أن هذا التوقف يدفع الثقة بأصول الدين وفروعه. ويفتح باب الطعن في مصادر هذه الأمة. فيتسلط الأعداء على المسلمين بتمكين من المسلمين أنفسهم من حيث لا يشعرون، ويتهمونهم بإيجاب العمل بالخرص والظن. كأن يقولوا لهم كيف يأمر الله بما قد نهى عنه وهو الظن والخرص؟ وكيف يكون خبر الواحد حرامًا وواجبًا في وقت واحد؟
واذا كان خبر الواحد عندكم محتمل الصدق ومحتمل الخطأ أو الكذب فقد صار عندكم محل احتمال، وما تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال= [الاستدلال بالظني في العقيدة ص 58] فكيف يجوز الاستدلال بخبر الواحد على الأحكام الشرعية مع كونه ساقط الاستدلال عندكم؟!
فهؤلاء لم ينقذوا الأمة من مرض التجهم والفلسفة والإعتزال، وإنما قاموا فقط بتعديل طفيف على انحراف المعتزلة من غير أن يقضوا عليه. وشككوا في غالب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوا الإسلاميين إلى التناقض حين زعموا أنهم يريدون تنقية السنة من روايات الظن والخرص وجعلوا الصحيح ظنيًا خرصًا وهمًا واجبًا دينا،ً وحكموا على تارك هذا الوهم والخرص في الأحكام الشرعية بأنه آثمً عند الله واذا أخذ به في العقائد فإنه آثم أيضا عند الله!!!
وهم لا يقدرون على الإجابة على شبهات المستشرقين والقرآنيين اذا سألوهم: كيف اعتمدتم في نصف دينكم وفي مسائل الحرام والحلال على ما اعترفتم بأنه خرص ووهم؟
ولا يقدرون على الهروب من تسلط نفاة السنة القرآنيين إذ يقولون لهم: نحن أكثر استقامة منكم أنتم المراوغين الذين تحذرون الناس من الظن وفي نفس الوقت تأمرونهم به. وإنما يقدر على الجواب عن شبهاتهم والتحرر من تسلطهم من سلم من أحكام أهل الكلام المتناقضة وأثبت خبر الواحد على طريقة أحمد والشافعي.