الصفحة 3 من 137

ولكن فات هؤلاء الكلام على حقيقة أهم منها وهي أن أمتنا قد تعرضت لأبشع غزو ثقافي منذ قرابة الألف ومئتي سنة حين دخل علم الكلام في أصل دينها ولم يتخلص المسلمون منه حتى اليوم، حتى صار علم الكلام هو المعنى المرادف لعلم التوحيد. ثم دخل التصوف الفلسفي اليوناني تحت ستار الزهد والتوكل والمحبة، فصرت إذا أردت تعلم اصول الدين وعلوم العقيدة فلا بد من تعلم علم الكلام، وإذا طلبت الزهد ومحبة الله لزمك تعلم علم التصوف. وعن طريقهما تسربت الى الأسلام آلاف البدع.

وامتزج هذان المصدران الأجنبيان بمناهج التدريس ليس في كتب التعليم العادي فحسب، وإنما في الكليات والجامعات الأسلامية التي يتخرج منها المشايخ والدعاة. وتخرج غالب الدعاة على هذه المناهج المسمومة زصاروا يدافعون عما درسوه ويبررون هذا السم الذي تجرعوه، وصاروا يرمون المنكر عليهم بشتى الأتهامات حتى غلب هذا المنكر من بدع العقائد وبدع السلوك على هذه الأمة وصار المصلح يدخل الساجد ويحوقل مما يراه ويخاف إنكاره.

أردت بذلك بيان أن من لم يشخص الداء لن يمكنه وصف الدواء. ولكن أكثر الحركات الأسلامية لا تتحدث عن ضرورة تشخيص الداء الواقع بالأمة ولذلك لم يعطوا دواء حقيقيا وإنما وصفوا أدوية لا علاقة لها بنوع المرض الذي أصاب الأمة. وتوارث العلماء والعوام هذين المنهجين وانتشرت بدع العقائد والعبادات عبر علو الكلام وفلسفة التصوف.

فهذا غزو ثقافي لا يكاد يتحدث عنه من يدعون للخلافة بل يجهلونه ويجهلون أن السبب الأصلي في مصيبة هذه الأمة إنما هو من داخلها وليس من الخارج. ولكن للشيطان صوارف يعرف كيف يصرف الناس عنها وتنجح هذه الصوارف بقدر ما عند الناس من جهل ومن عاطفة متحررة من ضابط العلم والتقيد بقيد الشرع وضوابطه. وما لم يدندن المصلحون والدعاة حول هذه القضية فلن يستطيعوا التغيير وإنما الأصل الذي يجب أن ينطلقوا منه:

( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بهم )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت