فهرس الكتاب
ولعلك تتساءل: ما لا يفيد علما كيف يجوز أن يقوم به شرع من تحليل وتحريم واباحة فروج واباحة دماء؟ وأيضًا فالحجة انما تقوم بما يحصل به العلم لا بما لا يعلم صدقه من كذبه.
ولو كانت رواية الآحاد غير مفيدة للعلم لما أبيح قتل المقر بالقتل على نفسه، ولا بشهادة اثنين عليه ولا بشهادة الأربع على الزاني ولا الشاهدان أو الشاهد والشاهدتين في التبايع لأن الشهود ما زال خبرهم واحدا وان كانوا أربع شهود.
وكفى بهذه التحديدات المنصوص عليها لقبول الخبر حجة على من يحددون تحديدات من عند أنفسهم ما أنزل الله عليهم بها بكتاب من عنده. ولكن علم الله أن رواية الواحد الثقة الثبت تقوم بها الحجة فلم يشترط للخبر في العقيدة عددا مشروطًا من الرواة كما حدد للزنى والقتل والتبايع أرقامًا محددة. وانما يجب أن يكون التحديد من عند الله حتى نأخذ به لا من عند حزب التحرير.
أهل الحديث هم أهل الاحتياط لا أهل الكلام
وقد زعموا أن العلماء احتاطوا في الاحتجاج بالأخبار الواردة في الصفات فاشترط الأشاعرة القطعي الثبوت وهو المتواتر.= [التوحيد للماتردي ص 8] .
فمن هم أول المحتاطين؟ إنهم الجهمية والمعتزلة.
ولم يكن"العلماء"المحتاطون إلا ثلة من نفاة الصفات تذرعوا بالاحتياط ليتوصلوا به الى نفي صفات الله التي وصف بها النبي صلى الله عليه و سلم ربه والتي تتعارض مع قواعد علم الكلام. فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن المعتزلة أنكروا صحة الأحاديث الواردة في الصفات كالنزول وغيره.= [فتح الباري 3/30 وهذا الموقف هو نفس موقف الجويني] .
وإنما كان الطعن في خبر الواحد قاسمًا مشتركًا بين الفرق الضالة كالفلاسفة والجهمية والمعتزلة التي وجدت أن أكثر أحاديث الصفات من الآحاد فأرادت أن توجد لنفسها مبررًا لردّها، فابتدعت القول بأن أحاديث الآحاد مردودة وأنها ليست حجة ولا يستدل بها.
هل هم أكثر احتياطا من البخاري ؟