قول داروين: «إنّ الإنسان كان قردًا»
ورأس القائلين بهذا القول «داروين» [1] وقد ألّف كتابًا في بيان: «أنّ الإنسان كان قردًا» ... ثمّ عرض له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج على تتالي القرون المتطاولة، وبتأثير الفواعل الطبيعيّة الخارجيّة، حتى ارتقى إلى برزخ «أوران أوتان» ، ثمّ ارتقى من تلك الصورة إلى أوّل مراتب الإنسان، فكان صنف اليميم [2] وسائر الزنوج، ومن هناك عرج بعض أفراده إلى أُفُق أعلى وأرفع من أُفق الزنجيّين، فكان الإنسان القوقاسي.
وعلى زعم «داروين» هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلًا بمرور القرون وكرّ الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثًا كذلك.
فإن سئل «داروين» عن الأشجار القائمة على غابات الهند، والنباتات المتولّدة فيها من أزمان بعيدة لايحدّدها التاريخ إلاّ ظنًّا، وأُصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تُسقى بماء واحد، فما السبب في اختلاف كلٍّ منها عن الآخر في بنيته وشكل أوراقه، وطوله وقصره، وضخامته ورقّته، وزهره وثمره، وطعمه ورائحته، وعمره؟ فأيّ فاعل خارجيّ أثّر فيها، حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظنّ [أن] لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه..
وإن قيل له: هذه أسماك بحيرة «أُورال» وبحر «كسين» مع تشاركها في المأكل والمشرب، وتسابقها في ميدان واحد، نرى فيها اختلافًا نوعيًّا، وتباينًا بعيدًا في الألوان، والأشكال والأعمال، فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ لا أراه يلجأ في الجواب إلاّ إلى الحَصَر [3] ..
وهكذا لو عرضت عليه الحيوانات المختلفة البنى - جمع بنية - والصور والقوى والخواصّ، وهي تعيش في منطقة واحدة، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق، أو الحشرات المتباينة في الخِلْقة، المتباعدة التركيب، المتولّدة في بقعة واحدة، ولا طاقة لها على قطع
(1) شارلس دارون (1809 - 1882 م) : فيلسوف وعالم إنجليزي اشتهر بنظريّته في علم الأحياء «نظريّة التطوّر» ، وقد أودعها كتابه «أصل الأنواع» الذي أصدره سنة 1859 م، وأتبعه بكتاب «أصل الإنسان) ، وفيه يؤكّد هذه النظريّة.
وقد سبق داروين في هذه النظرية العالم الانجليزي «ولاس» والفرنسي «لامارك» .
ونظريّة التطوّر أو الدارونيّة، هي التي تقول بأنّ الكائنات الحيّة جميعها نشأت من «أصل واحد» وأن الكائنات المعاصرة تسللت من كائنات أبسط منها. ولم يقل دارون: «إن الإنسان كان قردًا» .
(2) اليميم: ليس بين الزنوج قبيلة - من أكلة اللحوم - تسمّى بهذا الاسم. ولعلّ الأصل «نيام نيام» أو «نيمنيم» ، وهم قبيلة من الزنوج، تعيش في المنطقة التي تمتدّ بين بحر الغزال على النيل الأعلى ونهر الكنغو. وقد اشتهروا بأنّهم يأكلون لحوم البشر، ولكن هذه العادة بادت الآن، وهم يمارسون حاليًّا الزراعة والصناعات الأوّلية.
(3) الحَصَر - بتحريك الحاء والصاد - العجز عن البرهان والكلام.