وشهد له الشافعي - رضي الله عنه - تلك الشهادات العظيمة في الفقه والعلم ن وأحمد مع هذا شاب لم يتكهل . ومعلوم أن من فهم علم هذه العلوم كلها برع فيها ، فأسهل شئٍ عنده معرفة الحوادث والجوانب عنها ، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة . ومن هنا قال عنه أبو ثور: كان أحمد إذا سئل عن مسألة كأن علم الدنيا لوح بين عينيه . او كما قال ولا نعلم سنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم غلا وقد أحاط بها علمًا ، وكان أشد الناس اتباعًا للسنة إذا صحت ولم يعارضها معارض قوي . وإما ترك الأخذ بما لم يصح ، وبما عارضه معارض قوي جدًا . وكان السلف - رضي الله عنهم - لقرب عهدهم بزمن النبوة وكثرة ممارستهم كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعرفون الأحاديث الشاذة التي لم يعمل بها ، ويطرحونها ويكتفون بالعمل بما مضى عليه السلف . ويعرفون من ذلك ما لم يعرفه من بعدهم ، ممن لم تبلغه السنن إلا من كتب الحديث لطول العهد وبعده . إذا فهمت هذا وعلمته: فهذه نصيحة لك أيها الطالب لمذهب هذا الإمام أؤديها إليك خالصة لوجه الله تعالى ؛ فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
إياك ثم إياك أن تحدث نفسك أنك قد اطلعت على ما لم يطلع عليه الإمام ، ووصلت من الفهم إلى ما لم يصل إليه هذا الذي ظهر فضل فهمه على من بعده من أولي الإفهام .
ولتكن همتك كلها مجموعة على فهم ما أشار إليه من الكتاب والسنة على الوجه الذي سبق شرحه .ثم بعد ذلك: ليكن همك في فهم كلام هذا الإمام في جميع مسائل العلم ، لا مسائل الإسلام . أعني: مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر ، وهو العلم المسمى في اصطلاح كثير من العلماء بعلم السنة . فإن هذا الإمام كان غاية في هذا العلم ، وقد امتحن بسبب مسائل منه وصبر لله على تلك المحنة ، ورضي المسلمون كلهم بقوله الذي قاله ومقامه الذي قامة وشهدوا أنه إمام السنة وأنه لولاه لكفر الناس .