فمن كانت هذه منزلته في علم السنة ، كيف يحتاج إلى تلقي هذا العلم من الكلم أد من العلماء غيره ، لاسيما لمن ينتسب إلى مذهبه . فليتمسك بكلامه في عامة هذا الباب ، ويعرض عما أحدث من فضول المسائل التي أحدثت . وليس للمسلمين فيما أحدث حاجة ؛ بل تشغل عن العلم النافع ، وتوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين ، وتوجب كثرة الجدل والخصومات في الدنيا مما هو منهي عنه عند هذا الإمام وغيره من السلف الماضين . وكذلك علم الإحسان: وهو علم المراقبة والخشية ، كان هذا الإمام فيه غاية كما كان في علم الإسلام والأيمان آية . لكن كان الغالب عليه في هذا العلم تحقيق الأعمال دون تزويق الأحوال ؛ فلذلك كان لا يطلق إلا المأثور عن السلف دون ما أخذته المتأخرون عن الخلف . ولقد كان - رضي الله عنه- في جميع علومه مستندًا بالسنة ، لا يرى إطلاق مالم يطلقه السلف الصالح من الأقوال ولا سيما في علم الإيمان والإحسان .وأما علم الإسلام: فكان يجيب فيه عن الحوادث الواقعية مما لم يسبق فيها كلام ؛ للحاجة إلى ذلك . مع نهيه لأصحابه أن يتكلموا في مسائل ليس لهم فيها إمام . وإنما كان يجيب غالبًا عما سبق الكلام فيه ، وفيما يحتاج ولا بد لوقوع ومعرفة حكمه . فأما ما يولده الفقهاء من المسائل التي لا تقع أو لا تكاد تقع إلا نادرًا ، فكان ينتهي كثير عن الكلام فيها ؛ لأنه قليل الفائدة ويشتغل عما هو أهم منه مما يحتاج إلى معرفته . وكان- رضي الله عنه -: لا يرى كثرة الخصام والجدال ، ولا توسعة لقيل أو لقال في شئٍ من العلوم والمعارف والأحوال . إنما يرى الاكتفاء في ذلك بالنسبة والآثار ، ويحث على فهم معاني ذلك من غير إطالةٍ للقول والإكثار . ولم يترك توسعة الكلام بحمد الله عجزًا ولا جهلًا ، ولكن ورعًا وفضلًا واكتفاء بالسنة فإن فيها كفاية ، واقتداءً بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين فبالاقتداء بهم تحصل الهداية .