(9) ... ويخصص حديث عبادة أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ، وصححه الشيخ أحمد شاكر من طريق الزُّهْرِي عن ابن أُكَيْمَة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاةٍ جَهَرَ فيها ، فقال: ( هل قرأ معي أحد منكم آنفا ؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله ، قال: إني أقول ما لي أُنَازَعُ القرآن ) قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف النُّقَّاد في هذه الزيادة: فانتهى الناس .. هل هي من كلام أبي هريرة أو من كلام الزهري ، ورجح شمس الدين ابن القَيِّم أن قوله: فانتهى الناس ، من كلام أبي هريرة ، ورَدَّ على من نفى ذلك بكلام نفيس في حاشيته على مختصر سنن أبي داود ، وزاد الأمر تحقيقا الشيخ أحمد شاكر في شرحه للمسند . وعلى ذلك فقول أبي هريرة حجة في نقل عمل الصحابة بما يعد إجماعا منهم على ذلك ، ولا يقدح في هذا النقل من أبي هريرة زعم من زعم أن هذا مخالف لمذهبه في وجوب القراءة خلف الإمام ، فإن هذا لم يثبت صريحا عن أبي هريرة ، بل ثبت خلافه كما سيأتي ، ولو ثبت مخالفة أبي هريرة للحديث لكانت الحجة في الحديث وفي عمل الصحابة الذين نقل عنهم . ولو تنزلنا وذهبنا إلى أن قوله: فانتهى الناس .. من كلام الزهري فلا تنتقص الحجة أيضا بذلك .
... قال شيخ الإسلام: وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرءون في الجهر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الزهري من أعلم أهل زمانه أو أعلم أهل زمانه بالسنة ، وقراءة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة التي يعرفها الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، فيكون الزهري من أعلم الناس بها ، فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها ، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم يكونوا يقرءون خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر .
... ويزيد هذا الوجه وضوحا الوجه التالي: