فلقوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) .
وقال الله تبارك وتعالى: ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمس على أموالهم واشْدُدْ على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . قال: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) فتأمل قوله تعالى: ( قد أجيبت دعوتكما ) ، كيف أثبت وجود دعوتين حال كون الداعي هو موسى فقط لقوله تعالى: ( وقال موسى ..) ، والمعلوم أن الداعي الثاني هو هارون الذي كان يستمع ويؤمن ، إذ لو كان يدعو معه لقال: وقال موسى وهارون .
ومما سبق يعرف أن المستمع له حكم القارئ بنص القرآن والحديث .
... وأما لغة فإن اللغة تطلق على قراءة السر ( أي القلب ) قراءة ، وهي قراءة النفس المقصودة في حديث أبي هريرة وغيره من الروايات: اقرأ بها في نفسك . قال ابن العربي: وقد وجدنا وجها للقراءة مع الجهر ، وهي قراءة القلب بالتدبر والتفكر ، وهذا نظام القرآن والحديث ، وحفظ العبادة ومراعاة السنة ، وعمل بالترجيح والله أعلم ، وهو المراد بقوله تعالى: ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) .
... وأما عرفا: فمن طالع كتابا بعينه وفهمه وتدبره دون أن يتلو حروفه أو يتحرك لسانه يصح له في عرف الناس أن يقول: قرأت هذا الكتاب .
(29) ... إذا افترضنا أن جميع المأمومين يقرءون خلف الإمام ، فيكون جهر الإمام حينئذ لمن لا يستمع له ، فلا يكون هناك فائدة في جهر الإمام أصلا، ولا يكون هناك فائدة لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمَّنَ فَأَمِّنوا ) لأنهم يكونون قد أمنوا على قرآن لم يستمعوه ولا استمعه أحد منهم .
(30) ... بقي أن نرد على شبهة أخيرة: وهي أنه لا تعارض بين أحاديث النهي عن المنازعة وبين الأمر بقراءة الفاتحة مطلقا ، حيث يستطيع أن يقرأ بالمخافتة فلا تحصل المنازعة ولا المخالجة .