تحرير محل النزاع والخلاف في المسألة
... اعلم - رحمني الله وإياك - أن محل النزاع في المسألة هو قراءة المأموم خلف الإمام في الركعات التي يجهر فيها إمامه بالقراءة ، وما عدا ذلك فالراجح عندنا وجوب القراءة عليه .
... والحاصل أن المصلي إما أن يكون منفردا أو إماما أو مأموما ، فالمنفرد والإمام يجب عليهما قراءة الفاتحة مطلقا في الصلاة السرية والجهرية ، أما المأموم فيجب عليه أن يقرأ حال الركعات السرية كالظهر والعصر والأخيرتين من العشاء وثالثة المغرب ، أما في الركعات التي يجهر فيها الإمام فلا يجب عليه القراءة ولا يجب عليه السكوت ، ولكن المستحب المتأكد في حقه الإنصات والاستماع إلى قراءة الإمام ، فإن لم يسمع قراءة الإمام لبُعْد المكان أو لتَعَطُّل مُكَبِّر الصوت أو لصَمَمٍ فيجب عليه قراءة الفاتحة عملا بالأصل .
... والخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية بين العلماء تَرَاوَحَ بين ثلاثة مذاهب: طرفين ووسط:
... المذهب الأول: وهو مذهب القائلين بوجوب قراءة الفاتحة مطلقا ، على المنفرد والإمام والمأموم في السرية والجهرية ، وهو الجديد من قولي الشافعي ومذهب البخاري وكثير من المُحَدِّثين . وهذا هو الطرف الأول .
... المذهب الثاني: وهو مذهب القائلين بعدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم [1] في السرية والجهرية ، وهو مذهب الحنفية ، وهذا هو الطرف الثاني .
... المذهب الثالث: وهو الوسط بين المذهبين ، حيث يقول بوجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد والمأموم في الركعات التي يسر فيها الإمام أو لا يسمع فيها المأموم قراءة إمامه ، أما الركعات الجهرية فلا تجب عليه قراءة الفاتحة ، ويستحب له استحبابا أكيدا الإنصات لقراءة الإمام ، وهذا مذهب المالكية والرواية المنصورة في مذهب أحمد ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد حكاية الإجماع على هذا القول ، وذكر شيخ الإسلام أيضا أنه المتواتر عن الصحابة والتابعين .
(1) أما الإمام والمنفرد فعندهم أن قراءة مطلق قرآن فرض تبطل الصلاة بتركه ، أما قراءة الفاتحة فواجبة لا تبطل الصلاة بتركه ، فلو قرأ سورة أخرى غير القرآن صحت صلاته مع الإثم بترك الفاتحة ، ولو لم يقرأ مطلقا بطلب صلاته ، جريا على قاعدة الحنفية في التفريق بين ما ثبت بقطعي وهو الفرض ، وما ثبت بظني وهو الواجب .