الصفحة 13 من 35

والردة الجماعية - كما هو واضح - أعظم خطرا من الردة الفردية لأن الردة الجماعية لا تتمكن الدولة - إن وجدت دولة إسلامية تتصدى لها - بكاملها من إنهائها إلا بقتال واستبسال ونفقات باهضة لترابط أفراد هذا النوع ووقوفهم صفا واحدا لحرب المسلمين، بخلاف الردة الفردية فإن الأفراد فيها لا يشكلون خطرا عاما على الأمة الإسلامية كما تشكله الردة الجماعية، بل يكون الفرد أو الأفراد المرتدون يكونون عرضة للقضاء عليهم أو تشردهم إن كان المسلمون الذين حصلت الردة بينهم واعين لخطر الردة.

وقد حصلت الردتان: الفردية والجماعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ارتد الحارث بن قيس، وطائفة معه، وعبد الله بن أبي سرح - وقد عاد هذا إلى الإسلام عام الفتح - وحصلت الردة الجماعية بظهور الأسود العنسي المتنبئ الذي تبعه خلق كثير وعاث في الأرض فسادا.

وبهذه المناسبة أشير إلى أن محاميا وطنيا ظهر في هذا العصر يدافع عن الأسود العنسي، ويدين لائمية، ويقول: الأسود كان رجلا وطنيا مخلصا لشعبه، وكانت ثورته ضد الظلم الذي بسببه تؤخذ زكاة اليمنيين وتملأ بها بطون الحجازيين ولذلك تنالت عليه لعنات أهل الحجاز.

أقول: أشير إلى ذلك إشارة فقط بدون تعليق.

ثم نجمت ردة عظيمة ذات قيادة وأعداد هائلة مقاتلة في عهد الصديق أبي بكر أول خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شملت هذه الردة الجزيرة العربية ما عدا الحرمين والطائف، وكان من المرتدين من تنبأ، ومنهم من صدق المتنبين وتابعهم، وهذا النوع هو الردة الحقيقية ومنهم من منع الزكاة فقط محتجا بأن الزكاة إنما كانت تؤدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يصلي على دافعيها، وهو الذي تكون صلاته سكن لهم بخلاف غيره وقد اختلف العلماء في مانعي الزكاة أهم مرتدون أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت