فهرس الكتاب
والظاهر أنهم غير مرتدين لأمرين: الأول: أن منع الزكاة إذا لم يكن عن جحود لوجوبها لا يكون كفرا عند أكثر العلماء. الثاني: أن المانعين كانوا متأولين، والمتأول لا يحكم عليه بالكفر.
وعلى هذا فإطلاق الردة على مانعي الزكاة كان من باب التغليب (1) [5] .
ولقد وقف الصديق رضي الله عنه من تلك الردة الشاملة الكاسحة موقفه الفذ الذي كان نيتجته القضاء على شوكة المرتدين وإنهاء الردة بعد جهود شاقة مضنية، حقق الله للمسلمين أبا بكر في كل زمان للقضاء على الردة والمرتدين.
ثم كانت الردة تقع في كل عصر من العصور فردية في الغالب وجماعية في بعض الأحيان، ولكنها بلغت مبلغا خطيرا في الأندلس فقد كانت ردة جماعية مؤلمة، إذ لم تجد من ينهيها ويقضي عليها، بل وجدت من عمقها وأذكى نارها بأقسى أنواع التنكيل وأبشع أساليب القتل لإجبار المسلمين على ترك دينهم، وعلى إدخال أولادهم في مدارس النصارى المتعصبين لتلقي تعاليم المسيحية، وحظر التعليم الإسلامي حتى لم يبق من يستطيع ذكر الله فكانت مصيبة عظيمة أفقدت المسلمين أرضا لا زالت تحن إلى صوت المؤذن وراية الجهاد، وعدل الحاكم وحلقة العالم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الردة في هذا العصر
ثم جاءت الطامة الكبرى في هذا العصر الذي يسمى عصر العلم والنور الذي يتبجح به المتبجحون إلى حد أنه إذا ذكر القرن العشرون انحنت له الرقاب، وطؤطئت له الرؤوس، وطربت لرنينه الأسماع.
نعم لقد حقق فيه الإنسان - باستدراج من الخالق - ما لم يحققه في غيره من العصور السابقة من الاكتشافات العلمية المادية، ولو كان هذا الإنسان الذي حقق تلك الأمور يأخذ توجيهاته من ربه الذي خلقه وخلق هذا الكون وسخره له لكانت هذه الاكتشافات نعمة على الإنسانية كلها، وليست مصدر قلق واضطراب وشقاء كما هو الحال.