فهرس الكتاب
وقد كان من سلفنا الصالح مَن ليسوا في أصولهم عَرَبًا،ولسانهم غير عربي في أصله، وقد كان لهم فَهْمٌ في أمورٍ مُعَيَّنَةٍ -ولا بد- بغير اللسان العربي، ولكنهم حين كانوا يَعْرِضون لأمر الشرع ما كانوا يؤوبون إلا إلى اللسان العربي مُلقين بلسانهم الأصلي من ورائهم ظِهْرَّيًا فتعلموا العربية، ولجأوا إليها، لِيَفهموا الشرع ولِيُقَعِّدوا قواعده من بَعْدُ، ولِيُأَصِّلوا أُصوله لنا، ولِتَصير هذه القواعد والأصول والمصطلحات لنا من بَعْدُ، فما انْفَكَّت العربية عنهم ولا انْفَكُّوا عنها، ولا بَعُدوا عنها ولا بَعُدَت عنهم، وعنوانكم هذا يُفَرِّق بينهم ولا ريب.
وكان الأوْلى أن تصوغوه بعبارةٍ غير هذه ؛تُوَضِّح المُراد الذي ذَكَرْتُموه تحت هذا العنوان، ولكن بريق العنوان يَخْلِب عيون وألباب المفتونين بزينة الكتب لا بفحواها.
*قلتم ص (22) : )) فما قاله فضيلة »الشيخ«ص (167) -من كِتابه- لا يلتقي ما ذَكَرْنا، وذلك قوله -سدَّدَه الله-: )) ليس في وُسْع كل مَن يُحَرِّك لسانه بالحرف العربي ،أن يكون قادرًا على إدراك المعاني المكنونة في الحروف والألفاظ العربية،وبخاصةٍ وأنها قد غابت حتى عن الطبقة التي تتصدر الأمة،ممن جيء بهم:إمَّا من عند أنفسهم قسرًا ،وإمًّا فَرضًا من غيرهم ممن غُلِبوا على أمرهم،وإمَّا حين صَوَّحَت الأرض من القادرين على اجتلاب المعاني والأفكار،من غير جهد ولا إعسار.
وليس يخفى بأن هذه الطبقة قد أرقدت الجهل في عقولها،وأبَتْ إلا أن تقوم على حراسته حتى تُفارق الدنيا،والدنيا -عندها- مزيجٌ حافلٌ من متاع الدنيا،ومن سوء عذاب الآخرة ،فقد غَفَلَت عن أن اللغة العربية هي الأصل المنيع الواسع ،الذي تجتمع إليه علوم الإسلام ،ومعارف العربية كلُّها،وأن من أكبر الخطيئات - بل هي أعظمها وأفدحها - أن تُغشى تلكم المعارف والعلوم من غير بابَتها،وذلك حين تُصبح اللغة كَلًا على كَواهل من يُحَركون ألسِنَتهم بِرَطانَتها!.