وهبك الله نعما كثيرة جدا، وأنت مهما شكرت ربك على هذه النعم فلن تحصى شكر نعمة واحدة منها، فكيف بك وأنت تستخدم هذه النعم فيما لا يرضى ربك، ومن أجل نعم الله على العبد نعمة البصر، فقد أعطاك الله هذه النعمة وحرم غيرك منها أفيكون شكرك له عليها هو أن تعصاه بها
يا عبد الله ....
يقول ربك جل وعلا {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} -النور30 -
وكذلك فإن الأمر ليس قاصرا على الرجال فحسب بل إن نفس الأمر في الآية التالية للنساء أيضا {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} -النور31 -
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رواه البخاري ج: 2 ص: 870 (2333) و مسلم ج: 3 ص: 1675 (2121)
وإطلاق النظر هو زنى العينين كما في الأثر (كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واللسان يزني وزناه المنطق واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وأعلم أخي أن إطلاق النظر إلى ما حرم الله النظر إليه من النساء مثلا ومنه مشاهد الأفلام والمسلسلات والمسرحيات وأغاني الفيديو كليب ونحوها، والتي يتحرى القائمون على الإعلام الإكثار من بثها وانتقاءها لتكون أكثر جاذبية في رمضان لتشغل الناس عن طاعة الله وعبادته، وإن تخللوها بمسلسلات يزعمون أنها دينية ....
فإن إطلاق النظر إلى هذا كله له عواقب وخيمة منها:
أنه باب من أبوب الزنا ومن أخطر وسائله وذرائعه الموصلة إليه، أن النظر المحرم في بيوت المسلمين يبيح فقأ عين الناظر، أنه يورث الغفلة وإتباع الهوى وانفراط الأمر، - وهي من أعظمها -أنه من أسباب فساد القلب، تعلق القلب بالصور ودوام حسرته وعذابه.
فاحفظ أخي الغالي بصرك من هذا الخبث واعلم انك إن تركت ذلك لله عوضك خيرا منه، وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه.
الرسالة الثامنة
إلى صاحب اللسان الغث
أخي العزيز ....
نعلم جميعا أن اللسان من نعم الله على العبد، والتي لابد للعبد أن يداوم على شكرها بأن يستخدمها في طاعة الله وألا يستخدمها في معصيته، ولكن هيهات ...
كثير من الناس يستخدمون هذه النعمة أسوأ استخدام، ويغفلون عن أنهم سيحاسبون عن كل ما ينطقون به حيث قال جل وعلا {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} -ق18 -
قال بن عباس رضي الله عنهما: [يكتب كل ما تكلموا به من خير وشر، حتى إنه ليكتب قولك: أكلت، شربت، ذهبت .. جئت رأيت .. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره]
ويقول جل وعلا {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ 10} كِرَامًا كَاتِبِينَ {11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ {12} -الانفطار-
وقال أيضا {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} -الإسراء:36 -
عن بلال بن الحارث المزني رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة) والعياذ بالله، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وفي حديث معاذ الطويل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال معاذ: قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! -بعض الناس قد يجهل أنه سيؤاخذ بكل كلمة تكلمها كانت خيرًا أو شرًا- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!) والحديث أخرجه الترمذي في سننه، وقال: حديث حسن صحيح.
لذلك كانت جزاء أن من حفظ لسانه الجنة
وفي حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه.