فهرس الكتاب
ولا ريب أن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل أقوى وأوقعُ في النفس ، وأعونُ على الفهم والحفظِ ، وأدْعى إلى الاقتداء والتأسّي ، من التعليمِ بالقولِ والبَيان ، وأن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل هو الأسلوبُ الفطري للتعليم ، فكان ذلك أبرزَ وأعظمَ أساليبه صلى الله عليه وسلم في التعليم (1) .
جاء في (( الإصابة في تمييز الصحابة ) )للحافظ ابن حجر (2) في ترجمة الصحابي الجليل (الجُلَنْدى مَلِك عُمان) : (( ذَكرَ وَثيمَةُ في كتاب(الرِّدّة) عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَث إليه عَمْرو بنَ العاص يَدعوه إلى الإسلام ، فقال:
(( لقد دَلَّني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمُرُ بخيرٍ إلاّ كان أولَ آخِذٍ به ، ولا يَنْهى عن شرٍّ إلاّ كان أولَ تاركٍ له ،
(1) ـ قال العلامة الحَجْوي في (( الفِكْر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ) )1:154: (( ومن شواهد أن البيانَ بالفعل أقوى من البيان بالقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تَمَّ الصُلحُ بينه وبين كفارِ قُريش في الحُدَيْبيّة ، أَمَر أصحابه أن يَتحلّوا من إحرامهم ، ويَنْحُروا هَدْيَهم ، فقال لهم: (( قوموا فانحَروا ، ثم احلِقوا ) )، فَتَوانَوا في ذلك إذ لم يَستَحْسِنوا الصلحَ ورأو القتال أفضل .
فدخَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على زوجِه أمِّ سَلَمة رضي الله عنها واخبرَها بتَخلُّفِ الناس عن أمرِهِ ، فأشارَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يَحلق رأسَه ، ويَنْحَر هَدْيَه ، فإنهم لا محالةَ يقتدون به ، ففَعَلَ ، فلما رأوا ذلك قاموا فَنَحروا ، وجعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا حتى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا غَمًا .
وهذا من كمالِ عقلِ السيدةِ أم سلمة رضي الله عنها ، إذ فهِمتْ أنهم استَصعَبوا التحلُّلَ من النسك قبل استيفاء المناسك ، وأن البيان بالفعل أقوى من القول ، فكان الأمر كما فَهِمتْ رضي الله عنها )) . انتهى بزيادة يسيرةٍ .
(2) ـ 1: 538 .